أجمل

المنمنمات

المنمنمات


فن إسلامي يعبق بالأصالة والمهارة


فطرت النفس البشرية منذ بدء وجودها على حب الجمال والانجذاب نحوه، فهو جزء لا يتجزأ من هذا الكون الذي أبدع الخالق جل وعلا في تصويره ونسج تفاصيله، وهو أحد أضلاع مثلث القيم (الحق، الخير، الجمال) الذي لطالما أخذ حيزاً من تفكير الفلاسفة والمفكرين عبر العصور، والفن هو أحد أوجه التعبير عن الجمال، عرفه الكاتب محمد قطب بأنه محاولة البشر أن يصوروا حقائق الوجود وانعكاسها في نفوسهم في صور موحية جميلة، وأن مكان الفنان والفن يتحدد بمدى المساحة التي تشملها الحقيقة التي يشير إليها العمل الفني أو يرمز لها كيان الكون، ولو أمعنا النظر في كلامه لوجدنا الفن الإسلامي يتماشى مع ما ذكره؛ فهو يعطي تصوراً شاملاً عن الحياة والإنسان، بالتفاصيل المادية والمعنوية والروحانية، وبناء على هذا فهو فن يحقق معادلة الحق والجمال، فالجمال هو الحقيقة المطلقة التي لا يمكننا إغفالها، حيث أشاد به القرآن الكريم في مواضع عدة ولم يرد أي نص قرآني صريح منافٍ للفن وبناء، على هذا فالإسلام لا يحرمه ولا يعاديه، كيف له أن يحرمه والله تعالى هو الجميل الذي يحب الجمال، علاوة على ذلك فإن الفن الإسلامي من جراء تعمقه هذا بكافة جوانب الحياة تمخضت عنه رؤية بفكر خاص اعتمدت على تجريد الواقع وتبسيطه قدر الإمكان والبعد عن التجسيد بأسلوب يعكس مفهوماً جمالياً خاصاً يميز روح الحضارة الإسلامية. ومن هنا كانت قد أتت الزخرفة الإسلامية والتي تميزت بفلسفة خاصة تتآلف من اتحاد عناصرها الثلاثة الهندسية والنباتية والكتابية ما بين تقاطع وتشابك وتقابل وتزاوج محققة بذلك منظومة في غاية الدقة والإبداع تحمل في مضمونها مدلولات ورموز عميقة تلتقي مع الدين وتخاطب البصر والبصيرة معاً على الرغم من أنها تبدو ظاهرياً كلوحة تجريدية تخلو من المعاني.
ولكن هذه الزخارف لم تقتصر على اللوحات فحسب، بل امتدت أيضاً إلى الأواني، الأثاث، الأبواب، الكتب، والمصاحف وصولاً إلى المباني المعمارية ل

تغطي مساحاتها بإسهاب ضمن إطار فني فريد يعكس طابعاً إسلامياً يتميز عن سائر الفنون.

زخرفة المصاحف
كان لخطاطي القرآن الكريم ومذهبيه شأن عظيم وقدر رفيع، في ذلك الزمان، فهم من قاموا بكتابة كلام الله عز وجل وتذهيب المصاحف الشريفة، لكنهم رغم ذلك ظلوا مجهولي الهوية إلا قلة منهم  لمعت أسماؤهم في هذا المجال  "كاليقطيني إبراهيم" و"أبو المرسي ابن 

عمار السقطي" ، فأولوها عناية شديدة وتباروا في ذلك فأبدعوا في تزيينها وزخرفتها إجلالاً وتعظيماً لكلام الله الخالد المنزل لهداية الناس إلى طريق الحق المستقيم، وشجعهم على

 ذلك إقبال العديد من العلماء والفقهاء على تعلم فن التذهيب إلى درجة الإتقان، حتى وصل بهم الأمر إلى تذهيب جلود المخطوطات وجعلها آية في المهارة والدقة، فكتبوا المصاحف على صفائح الذهب والفضة والعاج، وطرزوا آياته بالذهب والفضة والحرير والديباج، وركزوا على الصفحات الأولى والأخيرة باستخدام ماء الذهب مع الألوان المختلفة، وتحديداً الأزرق الفيروزي، كما قام البعض بتذهيبه بالكامل، فيما اكتفى البعض الآخر بتذهيب بعض السور كالفاتحة وأوائل سورة البقرة والإخلاص والفلق والناس إضافة

 إلى الهوامش مثل الزهيرات والسعيفات والنجيمات التي تدل على موضع انتهاء الأجزاء والأرباع والسجدات.   
وفي خضم هذا الازدهار والتوسع، ظهرت لوحات مشغولة بطريقة مميزة ومتقنة كانت بداياتها منذ ما قبل العهد الإسلامي، ثم تطورت أثناءه وأطلق عليها قديماً "التزاويق" ولاحقاً سميت بالمنمنمات، ومفردها منمنمة ومعناها الشيء الدقيق المزخرف، وهي عبارة عن رسوم فنية صغيرة الغرض منها توضيح مضمون المخطوطات والأعمال التصويرية، كانت نشأتها في بلاد فارس والهند ثم بعد الإسلام لاقت رواجاً أكبر في دول عدة مثل باكستان وطاجكستان وبعض الدول الأوروبية مثل إسبانيا وفرنسا إضافة إلى الدول العربية أيضاً كالعراق وسوريا والجزائر، لكن رغم ذلك بقي الفرس أمهر من تخصص بها فأبدعوا في اختيار ألوانها وأدخلوا عليها خامات جديدة كالفضة والذهب ساهمت في تعزيز قيمتها الجمالية أكثر ثم راح هذا الفن ينمو شيئاً فشيئاً ليستقل بذاته ويتخذ نهجاً خاصاً ينفرد به عن باقي الفنون، إلا أنه لم يكن ينتمي إلى مدرسة واحدة بل قسم إلى عدة مدارس صنفت بحسب البلدان والأقاليم كالمدرسة الإيرانية والهندية والمغولية والصينية والمملوكية والتيمورية والبغدادية. 
والمنمنمات هي إحدى أهم الفنون التصويرية التي عالجت العديد من المواضيع الأدبية والعلمية وحتى الدينية، وساهمت بعكس صور الحقب السالفة وتوثيق الكثير من التفاصيل التاريخية، فهي تعتبر بحد ذاتها مرجعاً للكثير من الأحداث والمناسبات لما تحمله في طياتها من شخوص وعادات وتقاليد وأزياء وفنون وهندسة معمارية لربما لم يرد ذكر بعضها في كتب التاريخ، أضف على ذلك أن لها دوراً بصرياً لا يقل شأناً عن الدور السمعي بل وقد يتفوق عليه في مجتمع شفوي يخاطب الشريحة الأمية، فيكفي تأمل الرسومات ذات الألوان الجذابة والتفاصيل الدقيقة لتوفر بذلك عناء على الراوي والمتلقي لتوضيح مضمون الكتاب.


المدرسة البغدادية
ظهرت المدرسة البغدادية بالتزامن مع نمو التأليف والترجمة في الطب والطبيعة والنبات والحيوان، وبداية اهتمت بإرفاق هذا النوع من الكتب برسومات توضيحية في العهد العباسي ومع 

حلول القرن الثاني عشر ميلادي بدأت تظهر الكتب التي تزخر بالتزاويق لتضفي بعداً جديداً لفن المخطوطات المصورة كان أشهرها كتاب كليلة ودمنة للمقفع  و"الترياق"  لجالينوس إضافة إلى كتاب  "مقامات الحريري" ليحيى بن محمود الواسطي الذي أدخل نهجاً مختلفاً بعض الشي

ء فابتعد عن الفن الإغريقي والبيزنطي واهتم بتعابير وجوه الشخوص والحركة والإيماءات والأزياء والعمامات، وركز على مشاهد من ا

لأسواق والأرياف والقصور وقوافل الحج ومجالس السهر والطرب، كما تعمد إظهار الفروقات الاجتماعية، وعلى الرغم من أن رسوماته لم تكن تخضع للنسب الواقعية لكنها كانت تفيض إتقاناً وحرفية لدرجة أنه احتل مكانة مرموقة في تاريخ الفن ونال سمعة طيبة عند المستشرقين الذين أشادوا بفنه آنذاك. ولكن التطور الذي رافق المنمنمات أحاط به الكثير من التساؤلات وتباينت آراء الباحثين حوله عن أصل هذا الفن التصويري؛ فرجح البعض أن التأثير الفارسي قد تسلل إلى هذه المخطوطات بسبب استقدام الخلفاء العباسيين الكثير من العلماء والمترجمين، لكن من الجدير بالذكر أن حركة الترجمة والتأليف كانت موجوده من قبل عهد العباسيين مما يؤكد أن هذا الفن ذو جذور رافدية الأصل من العراق والشام وامتداداً لحضارات سابقة اشتهرت بفنون الرسم ونحت الجداريات كالبابلية والآشورية.  
  بعد سقوط بغداد بيد المغول، أصيبت الحضارة العربية الإسلامية بحالة ركود وكانت بمنأى عن التجديد والعطاء في مجال المنمنمة الإسلامية، آنذاك فتراجع نشاطها لتنتعش عدة مدارس وقتها كانت أبرزها المدرسة الإيرانية مع كمال الدين بهزاد في منتصف القرن الخامس عشر الذي رسم ملحمة الشاهنامه للفردوسي وديوان الحديقة (بوستان) لسعدي الشيرازي.
شكل بهزاد علامة فارقة في تاريخ المنمنمة الإسلامية؛ فهو الذي أسس المدرسة الصوفية حيث استوحى الأسلوب واللون من الفكر الصوفي فتصدرت مشاهد الدراويش معظم رسوماته كما أنه أجاد بناء الشكل فكان يوزع الشخوص ويوظفها بين الأمكنة كالطبيعة والأشجار والبنيان المعماري بطريقة تتسم بالواقعية والبعد عن الخيال وبدا واضحاً اهتمامه بملامح الشخوص وألوانهم حسب بلدانهم وأعراقهم وامتاز بدور بارز بإدخال الزخارف النباتية على رسوم السجاد العربية. 
تزخر المنمنمات بألوان زاهية موزعة بإتقان شديد أكسبتها قدرة على التعبير من خلال تحكمها المتزن في الربط بين عناصر رسومات ومزاوجتها مع النصوص إضافة إلى اكتفائها بالمسطحات والبعدين الطولي والعرضي وخلوها من البعد الثالث (المنظور)،  وذلك بقصد البعد عن التجسيم، كما يلاحظ عدم التقيد بالظل والنور والقواعد المعتادة التي تتبع المدارس الفنية كالانطباعية والتجريدية والواقعية مع الاهتمام بالإنسان في المقام الأول يليه الحيوان والنبات والعمران؛ فعلى سبيل الذكر نجد بعض المنمنمات  تصور الحكام والأعيان في القصور، وبعضها يجسد الحفلات والعزف فيها على الآلات الموسيقية كالناي والبزق، وبعضها الآخر يصور الشخوص بأزياء فاخرة تتجول في بساتين تشبه جنان الفردوس بأزهارها وثمارها التي ورد ذكرها في القرآن الكريم ولا ننسى المنمنمات التي تظهر الشخوص في المعارك ورحلات الصيد بصحبة الحيوانات كالخيول والكلاب، إضافة إلى أن بعضها أظهر كائنات خرافية كطائر العنقاء أو "السيمرغ" كما يسمى في الصوفية، وكان قد اشتهر هذا الطائر بألوانه التسعة الزاهية ومنقار يشبه منقار النسر والتنين الذي كان على هيئة ثعبان ضخم له زوجان من الأرجل وينفث النار من فمه، إضافة إلى حوريات البحر وتصاوير الجن الأبيض والأحمر تبعاً للهيئة التي أتت على ذكرها الأساطير القديمة.
المتعمق في الفن الإسلامي عموماً والمنمنمات خاصة يجد أن مضامينها مترابطة ومتسلسلة ولها أبعاد مختارة بعناية، فعناصرها تخلو من العشوائية وتميل نحو الميتافيزقية والرمزية المستمدة من الكون والتي حولها الرسامون بعد دراسة تمحيصية إلى مفاهيم بصرية غاية في الدقة والجمال. 
 

 

التعليقات
اترك تعليقاً


آخر مقالات في القسم