مراميات

هل تموت مقاومتنا؟



إن ماتت ذلك يعني أن جميع ما سخر لنا من سحر البيان والفن والألق رحل إلى غير رجعة، لأننا نقاوم من خلال سيمفونية وقصيدة ورواية وقصة، نفعل ذلك كاشفين عن الوجه الآخر لوجودنا على هذه البسيطة، خالدين كنقوش على صوان الذاكرة أو كالصوان ذاته.

كان للباحثة الفرنسية "إيزابيل هوسير" الجرأة الكافية للتنبؤ بأن القرن الحالي قد يشهد موت الرواية نتيجة تراجع المتخيل فيها لصالح العقلانية والواقعية، إذاً هل مات الخيال فينا حتى عجزنا عن كتابة ما يشبه تلك الأعمال التي عبرت بنا طوال العقود الماضية من ضفاف السؤال إلى العبرة والجوهر في مكنوناتنا البشرية؟

قضية الخيال مثيرة للاهتمام فعلاً، خاصة عند الحديث عن العمل الروائي، لكن من أين يأتي كل ذلك؟ وما مدى إيماننا به نحن المغرقين في واقعية لا متناهية؟ وهل يأخذنا إلى حافة النسيان؟ أو يعيد لنا الذاكرة؟ هل هو بوصلة النجاة أم متاهة الضلال؟

إن الواقع والخيال ضفتان متنافرتان، أو هكذا يبدو الأمر، لكن الأكيد أن لا إنجاز تاريخي يعول عليه إن كان منفصلاً عن الحد الأدنى من الوهم، ولا رواية بعيدة عن الحلم والمتخيل، الذي قد يضرب بجذوره في الواقع، فهو وجه من وجوه العبث الأصيل يتوارى خلف صرامة بشرية لا إنسانية، تساهم الرواية وحدها في الكشف عنه.

قد تكون نبوءة موت الرواية هي من فعل الكاتب أو القارئ، والثاني له ظروفه ومعتقده ومنطقة أمانه التي بدأ يجدها في عوالم افتراضية بحثاً عن نسيانه الخاص، فرومنسيته مؤقتة يلتقطها من مشهد عابر وعاطفته سرعان ما تخمد تحت زخم السرعة والبلادة الرقمية، هذا هو القارئ الذي تفزع الشركات الرقمية لإغاثة لهفته العجولة، ففي اليابان مثلاً تصنع الروايات حسب القوالب الرقمية وما تتيحه الشاشات الذكية، لا حسب المتطلب العقلي والروحي للقارئ، وفي فرنسا ترشح رواية إلكترونية لكاتب فرنسي للدخول في المنافسات على واحدة من أهم الجوائز الأدبية وهي "renaudot "، فالمخاوف من طغيان الرقمنة على أسواق النشر العالمية واقعية، ومن تغير ذائقة القارئ حقيقة خصوصاً إذا كان ينتمي إلى النسبة الأكبر من سكان هذا العالم.

كان "فيليب روث" الراحل في مايو ٢٠١٨ يرى أن لا سبيل لنا نحن البشر سوى ترك أدمغتنا في هذا العالم، أكد لنا أن "جنس الرواية يحتضر ولا يظن بأنه سيعمر لخمس وعشرين عاماً"  مستدركاً بأن ذلك تفاؤل منه، فخمس وعشرون عاماً هي فترة طويلة، ولكن بالنسبة لهذا "الحيوان المحتضر"- يقصد الرواية -  لا تكمن المشكلة في جهاز القارئ الإلكتروني الذي بدأ يحل محل الكتاب المطبوع في أوساط الشباب بالتحديد، وإنما في الكتاب نفسه "هذا الشيء" -كما سماه - غير القادر على منافسة  "الصورة -الشاشة"، كما أن تقلص عدد القراء الذين يبدون التزاماً وشغفاً ورغبة في القراءة معضلة أخرى، وأنا شخصياً أميل للفكرة الأخيرة أكثر، فما الرواية والكتاب والكتابة حقاً، دون قارئ أو مقاومة!

 

التعليقات
اترك تعليقاً


آخر مقالات في القسم