ريشة وقلم

تأملات كريمة .. الحبّ أكبر من ذلك!

تأملات كريمة .. الحبّ أكبر من ذلك!



حين أمسكت كريمة كوبَها من الشاي شعرت بحميمية غريبة؛ إنه طلبها المعتاد كلما أتت إلى هذا المقهى، حتى شعرت أنه قد تكوّنت بينها وبينه علاقة من نوع خاص. يتغزلون في القهوة؟ وما تلك الكتلة السوداء الصمّاء أمام هذا الشراب الذي ينبض بالحياة؟ صوت قرقرته وهو يُسكب في الكوب متقاربًا متباعدًا، لونه المحمرّ بشفافية متكسّرة، ثم أبخرته التي تتصاعد زمنًا، مانحةً إياك فرصةً طويلةً لتتأمّلها وهي تعلو مستقيمة، ثم تتمايل برشاقة وخفّة، قبل أن تختفي وتتلاشى وقلبك مازال معلّقًا بها وعينك لم تملَّ منها بعد، تمامًا كما الذكريات الجميلة في رأسك المتعب.
هي تعلم أن الكلّ سيجابهها إن أعلنت عن حبّها هذا، بعد أن أصبحت القهوة عند بعضهم علامةً على الرقيّ والتحضّر، وبات الشاي من (خوارم الثقافة) كما قال أحدهم متهكّمًا! لذا فهي تُبقي هذا الحبّ سرًّا، لا تعلنه إلا وهي وحيدةً هنا، مما زاد من حبّها وتعلّقها به.. ترتشفه فترتوي عروقها، وتتدفق معه أفكارها و... مهلاً.. ما الذي حدث؟ لقد أُطفئت أضواء المقهى. سرعان ما عرفت السبب حين لمعت ألسنة الشمع الخفيفة تحت الظلام.
تأففت كريمة بضجر؛ إن إحدى الطاولات تحتفل بذكرى ميلادها سيمرّ الآن فيلمٌ مكرور حدَّ الملل: إطفاء الأضواء وإشعال الشموع –وهي الفقرة الوحيدة الجميلة في هذا المسلسل الممل- لكنك لا تكاد تلتقط أنفاسك استمتاعًا بالجوّ الهادئ حتى تصدم ذوقك تلك الأغنية العتيقة التي لا تتبدل رغم تبدل الزمان وخلوّها من أي لمسة فنية من أي نوع، إطفاء الشموع ورائحة الدخان المميزة، ثم تقطيع الكعكة -ولا أعرف لماذا يجب أن تكون كعكة حتى لو لم تكن من محبّيها- ثم.. وكأن هذا التقطيع كان تصريحاً للفوضى: يسود الهرج والمرج، وتتناثر قطع الكعكة في كل مكان، وينتهي المسلسل الذي يكون إعداده قد استغرق أيامًا طويلة!
لا أدري لماذا يصرّ الناس على ربط كل معنى جميل أو ذكرى جميلة بطقوس معينة، ثم مع مرور الزمان ينسون المعنى الأصلي، وتبقى تلك الطقوس عبارة عن مظاهر مادية بحتة، خاوية من كل قيمة، ثقيلة على النفس، مُصطَنعة ومُتكلَّفة. بل ربما باتت هي الدليل الأقوى والأصدق على الحبّ، فأصبح من يهنّئك بذكرى ميلادك –وقد كان في سبات عميق عن ذكراك لولا تذكير فيسبوك له- أشدّ حبًّا وأقوى علاقة ممن ينسى ذلك اليوم ويتذكرك طوال العام.
ثم إنّ القائمة تطول بمرور السنين وزيادة الأحداث، فيبدأ الأمر بذكرى الميلاد فقط، ثم يُضاف لها ذكرى التخرج، ثم ذكرى الزواج، ليدخل الجيل الثاني على الخط؛ فتبدأ ذكرى ميلاد الطفل الأول، ذكرى تعلّمه دخول الحمام، دخول الحضانة، المرة الأولى لتَبْرِيته القلم، الضربة الأولى في المدرسة!... وهلمّ جرًّا. مما يحتاج بالفعل لتطبيق خاص مهمّته فقط هي التذكير بالمناسبات؛ حِفظًا للعلاقات، وتجنّبًا للمصادَمات!
مازالت تذكر ذلك الحوار الذي دار بين اثنتين من النساء في إحدى الجلسات؛ إذ عيّرت إحداهنّ الأخرى بعدم إهداء زوجها لها عند ولادتها، فأجابتها الأخرى: يا هذه، حملني على أَكُفّ الراحة منذ أن علم بحملي، رأيتُ قلَقه وخوفه عليّ منذ لحظات الألم الأولى، وحين عجز عن تقديم أيّ شيء لي كانت دعواته الصادقة الحارّة تحفّني وأنا في غرفة الولادة، كان يحوم حول نفسه ملهوفًا ينتظر الاطمئنان عليّ قبل اطمئنانه على طفله، وحين علم بسلامتي أَذْهَبَت ابتسامتُه الواسعة وقُبلته على رأسي كلَّ الألم الذي مررتُ به. بعد كل هذا تسألينني عن مجرد هدية تُشترى بالمال!
كان جوابًا يلخّص كل ما يدور في نفسها الآن: الحبّ أكبر من مجرد مظاهر وطقوس.
مسحت كريمة وجهها من بعض الكريمة وهي تبتسم.. لقد انتهت الحفلة إذن.

 

التعليقات
اترك تعليقاً


آخر مقالات في القسم