ريشة وقلم

الأديب الأمريكي: إدغار آلان بُو

الأديب الأمريكي: إدغار آلان بُو


محاولة جرئية في اقتباس سورة الأعراف


  (الأملُ الزائفُ أفضل من عدم وجود أملٍ على الإطلاق)
إدغار آلان بُو

كثيرون تفاجؤوا لما عرفوا أن اسم "آلان" الذي يتبع اسم الأديب الأمريكي الشهير إدغار آلان بُو لم يكن اسماً لوالده الحقيقي! بل يعود إلى المستر "آلان" أحد تجار ولاية فرجينيا، الذي رعى الفتى إدغار منذ أن فقد والديه وهو في الثالثة من عمره وحتى التحاقه بالجامعة، والتي تركها بعد أن تدحرج في مستنقع الخمر والقمار.

ولكن مفاجأتنا تزداد بما يكشفه النقاد، من أن "بو" قد عكف على قراءة القرآن الكريم، واستعار كثيراً من معانيه بل ومفرداته، وقد بلغت جرأته مداها حينما استعار اسم إحدى سوره عنواناً لقصيدته "الأعراف" التي قام بإلقائها أمام الحضور في النادي الأدبي في بوسطن كأحد الأنماط الجديدة من الشعر.

 

دراما نفسية
عاش "بو" حياة غريبة، فيها ما فيها من الاضطراب والتناقض والحيرة، وكان يتقلب بين أمزجة غريبة، ولكنه ظل يقضي معظم أوقاته في الكتابة الأدبية وقرض الشعر، إلا أنه في وقت لاحق قلل من الشعر.
وقد استطاع "بُو" أن يبرع ككاتب رفيع المقام لدى هواة الأدب الأمريكي، وخاصة في أساليب الدراما النفسية بلغة تثير القارئ وتجعله يحبس أنفاسه وهو يتابع التحريات وسرد اللحظات الحرجة في رواياته عن الرعب والأسرار والقصص البوليسية، التي أظهر فيها قدرة فائقة في وصف انفعالات النفس البشرية ورسم جرائم معقدة، يضع بمكر بالغ ضمن أطرافها أفراداً من المختلين عقلياً، الذين يضفون غموضاً عجيباً يبدأ هو بدوره ببراعة مذهلة في تفكيكه وحلحلة خيوطه ليبلغ لحظة الاعتراف المثير.


هوس العين
أبدى "بو" اهتماماً كبيراً بفرط نشاط الحواس -أي عملها بشكل يفوق المعتاد- وانعكاسات ذلك على من يصاب به، وذلك يظهر جلياً في رواية (القلب الواشي) التي ظل يشكو فيها الراوي من التقاط أصوات لا يتيسر لغيره من الناس سماعها.
اهتم "بُو" اهتماماً كبيراً بالعين التي تؤثر في الآخرين وتسبب لهم الأذى، وذلك كما في رواية (القلب الواشي) التي تمثل العين عقدتها العويصة، حيث يتحدث الراوي عن تأثير عين العجوز عليه وما تحدثه من تغيرات في جسمه، بتلك النظرات الغريبة، حيث تظهر حبكة القصة الإصرار القوي الذي يظهره الراوي على قتل عجوز لا تربطه به أدنى صلة، ولهذا لم يكن للراوي شغل يشغله سوى التخلص من هذه العين بأي ثمن كان، فقد خشي نظرات الرجل الشريرة التي كانت يصفها وكأنها تنبعث من عينين تبدوان كعيني نسر، تمثل أكبر تهديد لحياته بما تجلبه لنفسه من ضيق وقشعريرة.
حزم الراوي رأيه على قتل العجوز صاحب العين، فذهب واستأجر غرفة لدى ذلك العجوز، وظل يراقبه من قرب لمدى أسبوع كامل عله يستكشف السر، ولكن للمفارقة لم يجد في العجوز ما يدعو لقتله، فقد وجده إنساناً طيب المعشر وليس بشرير، إلا أن ذاك لم يغير من عزيمة الراوي في انتهاز الفرصة والتصميم على ما بيَّته من نوايا، فيتسلل ليلاً إلى مخدع العجوز ويقتله في غرفته.
شعر الراوي بنشوة النصر على العين الشريرة، بيد أن الزهو سرعان ما يتبدد بانهياره واعترافه أمام المحققين من أول وهلة، فبالرغم من كل التحوطات التي خطط لها البطل جعلت الصدفة أحد جيران العجوز يبلغ الشرطة بعد سماعه لصراخ أليم ينبعث من منزل العجوز.


قصيدة الأعراف 
كان "بو" شغوفا بالآداب الشرقية وتأثر بها كثيراً، ويقال إنه قرأ في وقت مبكر "ألف ليلة وليلة" وغيره من روائع التراث العربي والإسلامي الذي كان أثره واضحاً في إنتاجه الإبداعي، إلا أن الجرأة قد دفعت "بُو" لاستعارة اسم سورة الأعراف " Al Aaraf" ليطلقها على إحدى قصائده الطوال، وصور فيها الأعراف نجماً يفصل ما بين الجنة والنار. وهذا المعنى مستوحى من سورة الأعراف وذكرت فيه من تساوت حسناتهم وسيئاتهم من يوم القيامة، وقد اعترف "بُو" بأنه قد استوحى المسمى من القرآن الكريم حيث ورد في سورة الأعراف: ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ﴾ (آية46) وأهل الأعراف كما جاء في تفسير ابن كثير: "قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، فقعدت بهم سيئاتهم عن الجنة، وخلفت بهم حسناتهم عن النار". قال : "فوقفوا هناك على السور حتى يقضي الله فيهم". وقد ألقاها "بُو" كنوع من الشعر الجديد في النادي الأدبي في بوسطن.


أبشعُ الوحوش 
ترك "بو" أعمالاً في قمة الروعة، ومن أشهرها "جريمة قتل في المشرحة" وقصة الحشرة الذهبية والقط الأسود وبضع كلمات مع مومياء، واشتهرت له قصائد كحلم داخل حلم، وإسرافيل، والغراب وإلدورادو. 
ولا شك أن في كنه هذه المؤلفات تتفكك أسرار الحياة لهذا الأديب الملهم الذي ظل خياله متدفقاً من محبس جسده المرهق، وغير ذلك فقد اشتهرت لإدغار آلان بو مقولات مختلفة ومتنوعة بلغت حد التناقض، فمثلاً في الوقت الذي يلتزم فيه بجانب التهذيب وبالقيم الفاضلة يقول: "أبشعُ الوحوش هي تلك التي تتوارى بداخلنا" وهي حكمة أراد يقول فيها أن النفس الإنسانية بالغة التعقيد وفيها من التناقض ما يستوجب التعرف عليها قبل التعرف على الآخرين، منوهاً إلى أن الناس لن يصلوا إلى السعادة مالم يكونوا قادرين على التحكم في أنفسهم. ولكن "بو" لا يظل على حال، فما هي إلا هنيهات حتى تقرأ له عبارة أخرى يحفظها له كثيرون في مقام التندر وملح المجالس بقوله: "أفضل أصدقائي هو الذي يُجهِز عليّ بِطلقٍ ناري". هذه المقولة التي تغلف خبرة من القنوط والزهد حتى في الحياة، فهو يدعو متطوعاً من أصدقائه ليقدم له الراحة الأبدية بدفعه وتخليصه من دنيا الشقاء والمشكلات.
ومما اشتهر له قوله: "إن من يحلمون في النهار، يرون أشياء كثيرة تخفى على من يحلمون في الليل"، وقوله أيضاً: "إن الأمل الزائف أفضل من عدم وجود أمل على الإطلاق" فالأمل لديه هو أكسير الحياة ونفحتها وتطلعاتها لكل ما هو أفضل، وهو ما يقابل بيت الشعر العربي: 
أعلل النفس بالآمال أرقبها 
ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل
فهو تعبير عن أهمية سعي آلان بو نحو المستقبل مهما كان بعد الحلم وأوجاعه؛ فليس من العيب أن تحلم.
بحثاً عن ملاذ
ظل "بو" يبحث عن ملاذ يشفي ما تجده نفسه من ضنك، إلا أن الحلقات قد استحكمت عليه عقب وفاة زوجته التي حزن لموتها حزناً شديداً، وظل حابساً نفسه في كوخ صغير، يستعيد فيه ذكرياته الجميلة، حتى أصابته لوثة في عقله، وما زالت به تتخبطه، حتى مالت به إلى الخلف كرة أخرى لينكب بنفسه في المستنقع الآسن من جديد. 
وبالرغم من أنه ظل يردد بأن الأمل الزائف أفضل من عدم وجود أملٍ على الإطلاق، إلا أنه ظل في انحداره حتى فارق الدنيا عام 1849، عن عمر لم يجاوز 40 عامًا، تاركا خلفه فرضيات وأسئلة كثيرة؛ منها معرفة سر اقترابه من مصادر الإسلام وعلاقة كل ذلك بهذا الأديب والشاعر والصحفي الذي صارع الأوجاع ووضع لمسته في الأدب الأمريكي الحديث.

التعليقات
اترك تعليقاً


آخر مقالات في القسم