وجوه إماراتية

الإماراتية فاطمة المغني


التعليم ليس له عمر ولا يحده زمان أو مكان


كلمات عميقة وكأنها لغز تلك التي ساءلت بها فاطمة المغني نفسها، وهي تلمح علم دولة الإمارات العربية المتحدة يزين الصحيفة اليومية بيوم تأسيسها، كانت متلهفة ومترقبة بتمنيات لا حدود لها من هذا الكيان الذي عاصرت ولادته، ومضت الأيام والأعوام وكم هي ممتنة اليوم لله عزّ وجّل أن كل ما تمنته تحقق بل أكثر بكثير، واسم بلادها أصبح له صدى بكل محفل إقليمي وعالمي لأنها غدت درة يقتدى بتجربتها في النهوض والبنيان. اجتهدت هي بدورها لمؤازرة تأسيس الاتحاد ونهضته بالعمل التطوعي الذي تعلمت ماهيته وطعم ثماره لها ولمجتمعها من أناس أخيار، فأبت إلا أن تكون ضيفةُ مرامي، السيدة فاطمة المغني، رائدةً فيه ومثالاً مميزاً وكما تحدثت لنا عن قصتها معه عبر الحوار التالي.
 
• أهم محطة بمسيرتك تصلح أن تكون بداية الحوار مع السيدة فاطمة المغني؟
تأسيس نادي السيدات فرع خورفكان.. هي ليست البداية الحقيقية لمسيرتي التي سعيت من خلالها لتجسيد حبي لهذه البلاد العامرة بقيادتها وشيوخها أصحاب السمو، لكني أود التحدث عن هذه المحطة لما لها من أثر كبير في نفسي بكل لحظاتها، وسأظل أعيشها بتفاصيلها لما تحتويه من معانٍ سامية، تلمسنا بها مدى اهتمام حكومة الشارقة المتمثلة بصاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان القاسمي وحرمه سمو الشيخة جواهر القاسمي، بواقع المرأة وبكل أبنائها المقيمين على كل شبر من أراضيها في مدينة الشارقة كانوا أم في أقصى ضواحيها، وكانت معاصرتي لافتتاح نادي سيدات خورفكان خير مثال على هذا الحب والاهتمام.
أشحذ من ذاكرتي وقع اسم "نادي فتيات" ولأول مرة على مجتمع خورفكان تحديداً بمنطقتنا البعيدة عن العاصمة بأنه يجب أن يكون "مرفقاً خاصاً بالرجال ولا علاقة له بالسيدات"، وهذا ما جعلنا نواجه معارضة شديدة من المجتمع وانتقادات حادة لمثل هكذا حدث بمجتمعنا المحافظ على القيم والأعراف المكونة لثقافته، بينما كنت وقلة من السيدات نفقه أهمية هذا المرفق بحكم معرفتنا بالخدمات الكثيرة التي كان يقدمها "نادي منتزه الشارقة للفتيات"، فكنت كثيراً ما أتردد عليه وأتابع نشاطاته وتعرفت بيومها على الكثير من الأخوات الرائدات بوعيهن وبعطائهن المميّز كالأخت عائشة النومان والأستاذة صالحة غابش، وهذا ما حملنا مسؤولية توعية باقي الأخوات في خورفكان وتصحيح معنى مفهوم "نادي" لديهن.
 
• وكيف كانت مهمة تغيير هذه الصورة لدى مجتمع خورفكان؟
قدّرنا أبعاد المشكلة وتفهمناها جيداً فبدأنا بتعريفهن على مجمل الأهداف السامية التي هي من صلب أهداف تأسيس النادي بخورفكان، وما ساعدنا على النجاح بمهمتنا والإسراع بإقناع الجميع هو ثقة مجتمع خورفكان بالشخصية المحببة لديه وحب الجميع لها، ألا وهي شخصية حاكم الشارقة صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان القاسمي وقرينته الفاضلة سمو الشيخة جواهر القاسمي هي بذاتها الرئيس الأعلى لهذه الأندية، وهذا التأثير ينطبق على أي أمر أو توجيه صادر من لدن سموه، فتقبله من قبل المجتمع يكون بسهولة كبيرة حتى وإن كان جديداً على ثقافة المجتمع، فحالما عرّفنا المجتمع بأن تأسيس النادي لسيدات خورفكان هو بتوجيه من سموه خمدت المعارضة بل تحولت إلى سند لإنجاح فكرة النادي ليس بخورفكان فقط، بل في المدن القريبة منها مثل دبا الحصن وكلباء؛ فقد واجهن نفس المشكلة بالبداية ولكن والحمد لله وكما أسلفت تمت التوعية وبات الجميع داعمين لفكرة النادي ومعززين دوره بالمجتمع.
 
• كيف كان التجاوب معه بأرض الواقع؟
كان تأثير النادي والتغيير الإيجابي الذي أحدثه على مجتمع المنطقة الشرقية بكافة فروعه كفيلاً بأن يشهد بأهميته والتأكيد على سداد فكر من دعا لتأسيسه، لأنه تبنى التعليم كأول هدف من أهدافه، وكان النادي هو المكان الأوحد الذي وفر لهن فرصة ممارسة الرياضة بأفضل مستوى وعلى أسس علمية بظل عدم وجود أي جمعية نسائية بالمنطقة، كنت قد شهدت انطلاق نادي فتيات خورفكان وتم ارتياده من قبل قلة من الأخوات بالبداية وكان بمبنى مستأجر بمنطقة المصلى، وتم ترشيح الأخت موزة ناصر السويدي كأول مديرة للنادي، وبنجاحنا بتغيير آراء المعارضين لفكرة النادي واستقطابنا الجهود المؤيدة لتنضم لجهودنا، تكرّم صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان القاسمي بتوجيه بناء مبنى خاص للنادي ومازلت أذكر احتفالية افتتاحه، وكان المبنى نموذجاً بكل مرفقاته لنشاطات النادي كقاعات دراسية لمحو الأمية وتعليم الكبار وتحفيظ القرآن الكريم، أحواض السباحة، المسرح، حضانة تالة، كما يخدم النادي كافة مؤسسات المنطقة التي تفتقد لمثل هذه المرافق ويقوم بدور كبير بربط مهام المرأة المختلفة صباحاً ومساء؛ كل هذا وفقاً لأيديولوجية مخطط لها، في حين أن باقي المؤسسات تقوم بمهامها فقط للفترة الصباحية، واليوم يتنافس النادي بمختلف النشاطات التربوية والثقافية والرياضية مع غيره من النوادي.
 
• من أين اكتسبت فاطمة المغني هِمتها لتكون ما عليه اليوم؟
ربما من جدي عبيد زايد المغني النقبي، ذلك العربي الأصيل المعروف بحكمته بإصلاح ذات البين بين القبائل، قد رفض تزويجي كغيري من بنات المنطقة والقرية بسن التاسعة أو العاشرة أو الثانية عشر كأقصى حد خاضعات لإرادة أهلهم، لرغبته بتعليمي عملاً بمشورة القائد المؤسس الذي أعلن بقوله "الحريم لازم يتعلمون" ولِما وجده فيّ من سمات تميزني؛ أولها الحكمة، حب الأرض، الوطن والرغبة بخدمته وكل هذه إنما اكتسبتها منه، كنت الأخت الكبرى التي تمسك بها الجد والجدة للمكوث معهما في كلباء رافضاً سفرها بصحبة الوالد وزوجاته وأبنائه الاثني وعشرين أخاً وأختاً للعمل بالكويت. أذكر كيف خاضت فاطمة المغني كشخصية جريئة تلك التجربة، عندما سمعت وأنا بالصف السابع بأوائل السبعينيات بافتتاح أول جمعية نسائية بإمارة الشارقة باسم جمعية الاتحاد النسائي، برئاسة المغفور لها الشيخة نورة بنت سلطان القاسمي حرم المغفور له الشيخ خالد بن محمد القاسمي، ولأنه كان يؤلمني أن المرأة تبصم بأصبعها، لأن مبادرات تعليمهن بالفترة المسائية ببرامج محو الأمية كانت تقاوم من قبل الأزواج لقناعتهم بأن المرأة ملزمة بمتطلبات الأسرة والبيت بظل غياب فكرة الخدم، حفزني اسم الجمعية وتمنيت تأسيس نظير لها بخورفكان، فدونت رغبتي تلك بطلب قدمته لمديرة مدرستي نبيهة عبد اللطيف عرفة للذهاب للشارقة لمقابلة الشيخة نورة القاسمي، وافقت المديرة ورشحت لمرافقتي الأستاذة مريم عبيد مفتاح الزعابي وأخذت معي قائمة بموافقة خمسة وأربعين من سيدات المنطقة باستحصالي على بصمتهن بمروري على منازلهن، راجية الله أن يحل التوقيع بدلاً منها، ورافقنا بتلك الرحلة المغفور له سيف حماد الزعابي رئيس مكتب الكشافة بالمنطقة الشرقية وكنت رئيسة عضوية المرشدات، واستقبلتنا الشيخة نورة القاسمي بكرم الضيافة وأسعدها طلبنا ووعدتنا بالسعي لتحقيقه، وصادف وجود وفد ضيف مقيم بفندق كارلتون الشارقة فطلبت منا الذهاب للاستئناس برأيه ثم العودة لتناول العشاء معها وأصرت على المبيت بالقصر لأن الظلام قد بدأ يحل، لن أنسى ما حييت كرم وطيب المغفور لها "أم فيصل"، ولن أنسى هذه البدايات الجميلة، وكتبت بمذكراتي "الشارقة راعية وداعمة للمرأة، للطفل والمعاق، للمسن ولكل محتاج يناشدها المعونة المواطن والوافد على حد سواء".
 
• وكيف كانت البداية الرسمية بالعمل للخدمة الاجتماعية؟
كانت بالدراسة وإكمال تعليمي الثانوي وطلبت عوضاً عن المهر المادي ممن تقدم لخطبتي شرط الالتحاق بجامعة الإمارات التي تم افتتاحها بنفس الوقت، ولأنه كان أستاذاً متعلماً جاءت موافقته سريعاً، وبمساندته نلت البكالوريوس والماجستير بتخصص التربية وعلم النفس وحالياً طالبة بالدكتوراه، ولو أني اليوم جدة لأحد عشر حفيداً، لكن طموحي بعمر تلك الطالبة بالمرحلة السابعة في سبعينيات القرن الماضي. ويشرفني بأني كنت أول سيدة تعمل بـ "قسم مراكز التنمية الاجتماعية " وكان أول مؤسسة اجتماعية ضمن وزارة العمل والشؤون الاجتماعية، وهذه أولى المؤسسات للخدمة الاجتماعية بالمنطقة من غير مؤسسات التربية والتعليم، وكان لديّ رغبة عميقة بتطوير دور المرأة ومستوى حضورها في الساحة الاجتماعية، وكنت أرى أن المرأة بالمنطقة الشرقية تتمتع بوعي ثقافي جيد لأن التعليم بدأ بشكل مبكر في الشارقة بكافة مناطقها، كتأسيس مدرسة جميلة بوحيرد الثانوية في الكلباء ومدرسة باحثة البادية في خورفكان، وترجمت أهمية التعليم بأن طالبات من خورفكان والفجيرة جئن لارتياد مدرسة جميلة بوحيرد. 
 
• لمن تقولين شكراً بمذكراتك لجيل الغد؟
سأدون شكري وعرفاني أولاً لروح الجد المغفور له لأنه ساندني وجنبني اختصار حياتي بنطاق البيت والأسرة، بحكمته كنت واحدة من ثلاث طالبات تخرجن في الثانوية من بين أربعين طالبة بدأن الدراسة معاً، بكل بحث أقدمه لمساقات تعليمي أخصه بالشكر والامتنان لفضله ليس عليّ فقط بل على أبنائي وأحفادي لأن عدداً منهم أصبح نسخة مني بالعمل التطوعي والخدمة الاجتماعية.
سأقول شكراً لوالدتي المغفور لها شيخة يوسف عبيد زايد المغني، التي علمتني أبجدية العمل التطوعي، كانت تبحث عن المعاقين لتحممهم وتسرح شعرهم وكل ما فعلته بحياتي من العمل التطوعي لا يعادل إلا الجزء اليسير مما عملته، وكانت تقتسم لقمتها التي كانت تعدها بنفسها بمعونة شقيقتي الصغرى ليلى وتحمله لعائلة شخص ضرير، ولأن عددنا كان كبيراً كان يصادف أن ما يتبقى لنا لا يفي حاجتنا، لكنها كانت تقول: إن أكل الفقراء معنا يشبع أرواحنا قبل أجسادنا ويغنيها أجراً.  
سأدون فخري بأني إماراتية "شارقية" وواحدة من جيل حفر ببأس هذا التراث، مؤكدة للجميع أن التعليم ليس له عمر ولا يحده زمان أو مكان، أتشرف بانتمائي لهذه الأرض المعطاء ومنارة التعليم التي تحتضن أكبر مدينة جامعية بالدولة، يرأسها رجل الثقافة والتعليم القائد القدوة الذي يسر لنا تحقيق طموحاتنا البناءة لأرضنا ولأهلنا. 
 
  
التعليقات
اترك تعليقاً


آخر مقالات في القسم