في ضيافة مرامي

الإعلامية والكاتبة بأدب الطفل ..  سماح أبو بكر عزت

الإعلامية والكاتبة بأدب الطفل .. سماح أبو بكر عزت


هذا هو بيتنا الذي يعشق الكلمة والفن الراقي


لقاء مشوق مع عائلة مميزة بقدر اشتياقي لالتقاط صورة عائلية جديدة لتضاف لألبوم مرامي للصور العائلية، وقد كان للقاء مرامي المميّز بالإعلامية والكاتبة المتخصصة بأدب الطفل سماح أبو بكر عزت الفضل بتسليطها الضوء على هذه الصورة العائلية، عائلة فنية ومثقفة بامتياز بدءاً من الوالد الفنان القدير أبو بكر عزت، الوالدة الكاتبة كوثر هيكل، الابنة الكبرى سماح وتعمل بدرجة كبير معدّي ومقدمي البرامج بتلفزيون مصر العربية وكاتبة بمجال أدب الطفل، والبنت الصغرى أمل تعمل كذلك معدة بالقناة المصرية الفضائية. فلنستمتع بالتطلع ملياً لهذه الصورة من مختلف الزوايا والنواحي؛ الفنية، الاجتماعية، الإنسانية، ولا بد أن نستشف منها الكثير من العِبر عن الترابط الأسري وأثر التنشئة الأسرية بتميّز الأبناء ومستقبلهم، ولنتأملها عبر السطور التالية.
أدخلتنا هذه الصورة لبيت يعشق الكلمة والفن الراقي يضم أسرة الفنان الراحل أبو بكر عزت، كان هذا الفنان عصامياً، معطاء للجميع، مثقفاً جداً، كريماً، شهماً بتعامله مع الآخرين حتى وإن لم يكن البعض منهم يستحق ذلك، خجول، منظم جداً، هادئ وكما عرفته عائلته، على عكس شخصيته أمام الكاميرا تماماً. وجاء تكريمه كأحسن ممثل بفيلم "المرأة والساطور" تأكيداً على ذلك، لم يكن يحب مشاهدة أعماله الفنية لأنه كان ناقداً صارماً لأعماله، وكان يرى إمكانية تأديتها بشكل أفضل حتى تلك التي نال عنها جوائز مميزة، كان محباً للحياة الأسرية، هذا ما جعله يبتعد عن السهرات وحفلات الاستقبال الفنية. 

 

النتاج الدرامي
الوالدة كوثر هيكل، الكاتبة السينمائية والتلفزيونية المميزة، وقد جمعها بالفنان أبوبكر عزت الزمالة بكلية الآداب – قسم الاجتماع وعلم النفس. ومن أهم الأفلام التي كتبتها للسينما فيلم "حبيبي دائماً" بطولة الفنان نور الشريف وبوسي، "العذراء والشعر الأبيض" بطولة محمود عبد العزيز، نبيلة عبيد وشريهان، "دمي ودموعي وابتسامتي" بطولة نجلاء فتحي، ومن المسلسلات "عصفور في القفص" حصلت عنه على جائزة الدولة لأنه ينتصر لقيمة العقل بحياة الإنسان، وآخر مسلسل لها القصة والسيناريو والحوار وكان بعنوان "على نار هادئة" من بطولة أبو بكر عزت وإلهام شاهين.
تعكس نتاجاتها الدرامية مدى تميزها بحس فني راقٍ عملت في التلفزيون المصري وشغلت بفترة ما منصب رئيس القناة المصرية الأولى ووكيل وزارة.

 

"مكان في القلب"
وبلمسة وفاء لخصت الابنة الإعلامية والكاتبة القديرة سماح أبو بكر عزت فيها تاريخ وجميع ما كتب عن والدها، بإصدارها كتاب "مكان في القلب" وذلك بالذكرى السنوية الأولى لرحيله، ولم تطرحه للبيع لأنها ترى أن تاريخ والدها ليس للبيع، وتفخر سماح بأنها تشبه والدها في الكثير من الصفات، فتتحدث عن والدها قائلة:
"كان والدي يتمتع بخلق راقٍ ولطيف المجلس، لم يتعود فرض آرائه على الآخرين ولا علينا نحن أفراد أسرته، يسعد بنجاح الآخرين وبالأكثر أفراد عائلته فيفيض علينا بالدعم والتشجيع، وكل من عمل معه يشيد بروحه وأخلاقه الجميلة. كان والدي الفنان أبو بكر عزت قارئاً ذكياً ويستمتع بقراءة الأدب الروسي، ومتمكناً من تسخير معرفته وقراءته الأدبية في فهم الآخرين، حتى أني كنت ألقبه بـ"الحكيم". وعلى سبيل المثال يحضرني موقف أعتز به، وهو محاولته لمقاومة صفة أرى أنها من أكبر "عيوب" شخصيتي، وهي أني لا أحتمل أن أكون سبب ألم أو حزن بدون قصد لأي شخص كان بكلمة أو بنظرة حتى، وهذه الصفة تعتبر مصدر قلق ومعاناة للشخص لأنه يظل يحاسب نفسه، وصادف أنه كان يقرأ قصة (موت موظف) لآنتون تشيكوف وتدور أحداثها بمسرح وشخص جالس بالمشهد عطس فجأة، وشعر بأن رذاذ العطاس سقطت على رأس الجالس أمامه مما دفعه للاعتذار منه وطوال فترة عرض المسرحية، بينما الشخص الآخر يهون عليه مؤكداً أنه حدث بسيط لا يستحق كل هذا الاعتذار، ولكنه كان مصراً على الاعتذار لتوقعه أنه تضايق من الرذاذ، فسأل عن عنوان الشخص الثاني وعرف مكتبه لكن لضيق وقته إذ كان ذو منصب حال دون تحقق اللقاء ليقدم له الاعتذار، مما أدى إلى وفاة الشخص الأول كمداً وهو متصور أنه بعطاسه أزعج الجالس أمامه. فكثيراً ما كان يحثني على التخلص من هذا الطبع الذي يظهر جلياً بهذه القصة؛ لأن الحياة مليئة بالمواقف ولا يتوجب علينا المزيد من الحساسية إزاءها.

 
البيئة الفنية
تأثرت سماح بالبيئة الفنية التي كانت تلون كل ركن من أركان البيت، رغم أنها لم تدرس الفن لكنها ورثت موهبتها الفنية من والدها الفنان أبو بكر عزت، ونشأتها بالقرب من جدتها لأمها "حميدة" التي أكسبتها الصفات الحميدة، وكانت الجدة تعشق الشعر و"حكاءة" ماهرة تروي الحكايات بمهارة فورّثت حفيدتها هذه المهارة، ودراستها لدى الراهبات الفرنسيات والتحاقها بكلية التجارة بالقسم الفرنسي، قد أكسبها مجموعة من القيم صقلت شخصيتها جيداً كالالتزام واحترام آراء الآخرين والأكبر سناً، وتأثرها بهذه القيم بالصغر دفعها لتغرسها بباقي الأطفال بالكبر.
كانت جدة سماح تحكي لها يومياً قصة قبل نومها، وسرعان ما كانت تغط بالنوم قبل أن تصل لنهايتها، فكانت عندما تصحو تكمل أحداث القصة كما تشاء مخيلتها الطفولية لتحكيها لجدتها التي كانت تُعجب بخواتيم الحكايات وإبداعات خيال الطفلة سماح، فكانت الجدة أول معجبة بـ"ماما سماح" التي كرست حياتها المهنية لتقص على الأطفال الحكايات بأسلوبها المشوق. وكان تجمع أطفال العائلة ثم سكان البناية لتحكي لهم الحكايات، وكما فعلت معها جدتها في السابق، وبهذه الحكايا طافت معظم أرجاء العالم وآخر جولاتها قبل الشارقة كانت روما، لتحكي للأطفال الإيطاليين قصصها التي لطالما أحبت قراءتها فغذت بها ذاكرتها، ولأنها تشعر أنها ما زالت بداخلها طفلة تندهش وتبكي وتسعد بأبسط الأشياء، وعليه فهي ترى أن من يكتب للأطفال هو طفل يكتب للكبار، وهذا الشعور جعلها تتواءم مع الأطفال، ورغم صعوبة الكتابة بأدب الأطفال وتطلبه مجهوداً كبيراً، بدأت سماح رحلتها فيه بكتابة المسلسلات لشركة صوت القاهرة، وكرمت بمعظمها كنيلها الجائزة الذهبية لسيناريو مسلسل "علاء الدين وكنز جدو أمين"، وجائزة أحسن مسلسل بمهرجان الإعلام العربي بطولة الفنانين أحمد خليل، أسامة عباس، نشوى مصطفى ومجموعة أطفال، والمسلسل يتساءل كيف سيتعامل طفل من هذا العصر عثر على مصباح علاء الدين؟ والاستفسار عن ماهية كنز اليوم أهو الذهب أم المعلومة والمعرفة؟ 

 

الكتابة بالسر!
بدأت سماح الكتابة الفنية دون علم والدها؛ لأنها ترى أن أصابع الاتهام توجه لأبناء الفنانين والمبدعين في حال وصولهم للشهرة وينسب الفضل فيها لوالديهم الفنانين وليس لموهبة الأبناء، ولتتجنب هذا الاتهام الباطل لجأت للكتابة بالسر حتى إنه عرف من صديقه أحمد بدير بكتابتها لأول مسلسل بعد اجتيازه اللجنة التحكيمية. ولنفس السبب هي لا تُعرف الآخرين بأنها ابنة الفنان أبو بكر عزت، لذا كانت تتفاجأ بكثير من المواقف، فبالرغم من تذكرها لاتصالات الكاتب الكبير أسامة أنور عكاشة الكثيرة بوالدها تحديداً بعد عملهما معاً بمسلسل" أرابيسك" و"زيزينيا"، وكثيراً ما كانت ترد عليه وتتحدث معه إلا أنها بعد ارتباطها بالدكتور والكاتب خالد منتصر الذي يعمل بهيئة قناة السويس بالإسماعلية، وكانت الهيئة تقيم ندوات ثقافية دعي إليها مرة الكاتب أسامة أنور عكاشة والتقته بالندوة، ولكنه لم يربط بينها وبين الفنان أبو بكر عزت لأنها لم تتحدث له عن هذه القرابة.
 قدمت بالفضائية المصرية برنامج "احكي يا ماما سماح" وأحبها الجمهور كباراً وصغاراً ومنه نالت لقب "ماما سماح"، تفتخر الإعلامية سماح بأن إحدى قصصها (فأر في بيت ثامر) أقرت ضمن المنهج الدراسي للمرحلة الأولى ابتدائي بدولة الإمارات العربية المتحدة لتميز كتاباتها بكونها هادفة وتربوية، وزين غلاف القصة بصورة تجمع الكاتبة وهي طفلة بوالدها الفنان أبو بكر عزت.

 

قراءة التاريخ
تهتم كثيراً بالتاريخ عند إعداد برامجها التلفزيونية، وبهذا السياق لديها برنامج (نقوش على جدار الزمن)، وألفت كتاباً للأطفال لتحثهم على أهمية قراءة التاريخ طافت به معظم الدول الأوروبية بعنوان "في جيبي قلعة ومعبد" وقد اقتبست فكرته من العملة الورقية المصرية التي يوجد بأحد وجهيها صورة مسجد أو أثر إسلامي والوجه الآخر أثر فرعوني، لتعلم الأطفال بما تحتويه هذه الورقة من نبض التاريخ، وأخيراً قدمته للأكاديمية المصرية بروما والمدرسة المصرية بلندن، والمركز الثقافي المصري بباريس. وكتبت قصة "حمادة صانع السعادة" التي ترجمت للألمانية واشتركت بمهرجان برلين للحكايا بهذه القصة ممثلة عن مصر، وكانت هذه القصة على قائمة العام للقصص المشاركة بجائزة اتصالات الشارقة، وقصة المنزل الأزرق من أشهر قصص القائمة القصيرة لجائزة الشيخ زايد لأدب الطفل، وهي أول قصة تتحدث عن الفيسبوك الذي شبهته الكاتبة بالمنزل الأزرق.
شخصية سماح أبو بكر عزت بأمومتها المتدفقة قد توحي بأنها أكبر من سنها الحقيقي، وهذا ما جعلها تعيش دور "ماما سماح" بوقت مبكر، حتى إنها تعامل أختها "أمل" وكأنها ابنتها وليست أختها، رغم أن أمل أبو بكر عزت شابة ناجحة في حياتها المهنية كمعدة برامج بالقناة الفضائية المصرية كذلك، ولكن "أمل" الميّالة للمرح وأجوائه تختلف كلياً باهتماماتها عن أختها سماح التي تميل للشجن أكثر وتحب الموسيقى والقراءة والهدوء.                                                          

التعليقات
اترك تعليقاً


آخر مقالات في القسم