من أجل ولدي

انتبهوا.. صيف آخر سيأتي عام 2020

انتبهوا.. صيف آخر سيأتي عام 2020



عندما قرأت عن الأمريكي الذي مات طفلاه لأنه نسيهما في السيارة وذهب إلى عمله مما أدى إلى اختناقهما قلت: حتى عندهم تقع مثل هذه الأحداث.. وما أكثرها عندنا! وبينما يقبع هو خلف قضبان الإجراءات القانونية في بلاده، يتحسر المجتمع كله عندنا على خبر فقد طفل بطريقة الاختناق الحراري في سيارات ترتفع فيها درجات الحرارة في الصيف بشكل مخيف، أو بطريقة الاختناق عند الغرقِ في حوض سباحة أو بحر في غفلة من المراقب سواءً الأم أو الأب أو حتى مدرب السباحة كما حدث أخيراً.
لا خلاف على الإيمان بالقضاء والقدر؛ فالحياة والموت حق، ولكن الله سبحانه يقول: (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة)، ويقول: (قوا أنفسكم وأهليكم). 
وحين يحدث أن يهلك طفل بسبب الإهمال فإن أهله يهلكون أضعاف هلاكه، فهو ذهب إلى خالقه، بينما يظل المخلوق (أمه أو أبوه أو كلاهما) في حالة هلاك بسبب الحزن والألم والندم ولوم النفس ولوم الغير لهم من إعلام ومجتمع ومؤسسات معنية. 
ومن المؤكد أن كل أبوين طبيعيين لا يرغبان – بالفطرة والحب الكبير الذي يكنونه لعيالهم- أن يصاب أحد من العيال بأذى، ويسعى كل منهم لتوفير المتطلبات التي تجعل منهم سعداء، وهادئين، إذ إن شغب الأطفال وشقاوتهم ليست محبذة ولا مرغوبة من قبل الآباء والأمهات لا داخل البيت ولا خارجه، فالعقوبات في انتظار الطفل الذي ينتهج للتعبير عن ذاته ومواقفه – فِعْل الشغب، أو ما يوصف بالشغب من قبل الآباء والمعلمين، دون الأخذ بعين الاعتبار  مراحل نمو الطفل، وما يواجهه في كل مرحله، وشكل التعامل معه وما ينعكس في كثير من الأحيان إلى تصرفاتٍ لا يحبها الكبار ويعتبرونها من باب الخروج عن الأدب واللباقة والأخلاق، مما يستدعي عقوبته حتى يتوقف عن هذا الفعل، وحفاظاً على مستقبله، وحتى لا يؤذي الآخرين في شبابه، وكأن من يقوم بالعقاب لم يمر بهذه الأفعال التي ضج منها أهله وجيرانه ومدرسوه في صغره.
      إذن، المتطلبات تنفّذ أولاً من أجل إسعاد الطفل، وثانياً لضمان هدوئه وعدم اقترافه لسلوك الشقاوة، ولأمر آخر لدى بعض أولياء الأمور وهو إراحة الضمير بأداء ما يظن أنها مهام ومسؤوليات مهمة لا بد من القيام بها دون النظر إلى ما هو أهم. مثل توفير ما يستهلكه الطفل من وسائل اللعب والأطعمة وغيرها.
ولكن، ما حكاية الصيف مع أطفالنا؟!
إنها حكاية الحرارة الشديدة، والفراغ، والإجازات من العمل، ومن الدراسة.. وعدم وجود خطة أسرية لمواجهة ذلك كله خاصة الفراغ والإجازات، خطة حماية للأطفال من مواجهتهم لأسئلة الفضول، والتجربة غير المحسوبة نتائجها، في ظل غياب جزئي للوالدين.. هذا الغياب وإن كان جزئياً فهي مساحة متوفرة وفرصة يقتنصها الطفل لتجربة ما بعيداً عن مراقبة أم، ومتابعة أب، ومن هنا تبدأ الكارثة، إذْ إن تجربة الطفل بنفسه يتصدى لها ويعيشها وهو لا يعلم إلى أين ستأخذه.
يتسلل إلى مرآب السيارات وينجح في فتح أبواب سيارة والدته أو والده فيدخل، ويغلق الباب، ويعيش للحظات مقلداً إياهما في القيادة حتى يبدأ الحر في سحب الأكسجين من أنفاسه ليبدأ في محاولة إنقاذ نفسه، الذي لا يفلح فيه أحياناً والتي تعتمد على البكاء والنداء والصراخ ولا أحد يسمع، ولا يسلم من هذا الموقف إلا برحمة من الله سبحانه.
يرى أمامه البحر، وقد علم أو رأى أن هناك أناساً يدخلون البحر ويسبحون ويلهون والبحر لا يفعل لهم شيئاً، فيجرب ويدخل معتقداً أنه كالرمل يمكنه السير فيه، لكنه يفاجأ بأن الأمر شيء آخر غير الذي ظنه.. هناك لغة كان يجب أن يتعلمها قبل أن يخطو خطوة واحدة في البحر أو بركة سباحة.
طفلان يغرقان في حوض الجيران حباً في تجربة السباحة.. من دون رقيب، من دون رادع لهما عن دخول بيت الجيران دون استئذان.
طفل يختبىء عن معلمه، وحين تحين فرصة له، يدخل البركة.. أيضاً حباً في التجربة وحيداً، ولا رقيب، بالرغم من أنه تحت يدٍ عليها أن تحافظ عليه حتى يعود إلى بيته سالماً آمناً.. لكنه يخرج منها وقد رحل.
أطفال تعرضوا لخطر النسيان في سيارات أهليهم فخنقتهم حرارة الصيف، ولم يخرجوا أحياء منها بعد الاكتشاف المتأخر لغيابهم.. إذْ يتأخر فَقْدُ ظلالهم وأصواتهم وبكائهم وحديثهم، وحين يأتي موعد الفقد، يكون موعد آخر قد سبقهم.
حكايات مؤلمة نسأل الله تعالى أن يجنبنا إياها ويجنب جميع من لديه طفل لا يقوى على مقاومة ما يواجهه في لحظة يمر بها وحده وقد انفض الجميع من حوله، فلا أوامر ولا نواهٍ، يريدُ أن يجرب شيئاً ما بشغفٍ لا يعرف أن في تجربته نهايته، وألم سيظل يعتصر قلب الوالدين والأهل والمجتمع بسبب رحيله بالطريقة التي اعْتَقَدَ أنها ضرب من ضروب اللهو واللعب.
هل لا بد أن نضع أربعة أو ستة أو عشرة عيون في رؤوسنا؟ نعم، ولكن ليس في رؤوسنا وحسب، بل في قلوبنا وأذهاننا وتوقعاتنا ونظرتنا لما يحيط بالطفل قبل أن نتركه لخادمة، أو نتركه للنسيان، قبل أن نتركه للإهمال، علينا أن نقوم بكل ما يتوجب فعله تجاهه، ثم نترك الأمر لله ولقضائه وقدره.
لدينا مؤسسات كبرى للأطفال، لدينا مدارس، لدينا مجالس آباء وأمهات، وعلى كل من هذه المؤسسات مسؤوليتها في التكثيف من التوعية بالمخاطر التي يواجهها الأطفال والانتباه لكل ما يعرضهم ويعرض حياتهم لهذه المخاطر.
أيتها الأمهات.. أيها الآباء.. أيها المعنيون بشؤون الطفل صيفاً وشتاءً، انتبهوا، صيف آخر سيأتي عام 2020، فلا تجعلوا عيالكم ضحايا اللامبالاة أو الاطمئنان الذي ليس في محله، فتتركوهم لبرك السباحة أو لسياراتكم غير المغلقة.. أو لغيرها من المخاطر التي تقع نتيجة  بحثٍ للأطفال عن تجربةٍ غير محسوبة العواقب لقلة إدراكهم.
في أمريكا وفي العالم كله كما عندنا، هناك أطفال ينسون، وتختلف تعاطي الإجراءات القانونية من مجتمع لآخر.. ويكفي أن القانون الذاتي في ضمير الأب أو الأم يجلدُ الفكر والروح بالأسف والندم، وألم لا يوصف لفقد فلذة الكبد، حافظوا على أولادكم، استودعوهم الله سبحانه إن عجزتم بسبب غيابكم لساعاتٍ عنهم، وفّروا لهم طوق الحماية ثم غيبوا.. إلى أن يأتي وقت حضوركم، خذوهم لأحضانكم، ونبهوهم لعدم القيام بأية تجربة صعبة إلا بمرافقتكم.. وكذلك نبهوا أنفسكم.


 

التعليقات
اترك تعليقاً


آخر مقالات في القسم