ريشة وقلم

القميص الأخضر!

القميص الأخضر!


تأملات كريمة


ترمي كريمة بجسدها المنهك على مقعدها المعتاد في المقهى.. تمدّد رجلَيها إلى الأمام، وتُسند رأسها إلى الوراء، وتترك يديها تتدليان جانباً، هي لا تريد لأي عضلة في جسدها أن تتعب في حمل أي جزء منه، فتُلقي بذاك إلى الأرض، وبهذا إلى المسند، وبتلك إلى الهواء.
تسحب نفَساً عميقاً.. لقد جاءت إلى هنا لتسرق بعض لحظات الراحة من هذا العالم الذي أصبح عبارةً عن ماراثون جريٍ لا يهدأ. حقيقةً هي لا تدري لمَ؟ الكلّ يلهث في سباق مع الزمن، الكل مشغول، الكل مضغوط، الكل لديه مشاغل يحتاج لثلاثة أعمار إضافية ليُنهيَها! المضحك في الأمر أنكَ إذا جئت إلى هذه المشاغل اكتشفتَ أن ثلاثة أرباعها لا داعيَ لها أبداً، وإنما هي محضُ وهمٍ؛ خلقه الشخص لنفسه أو خُلِق له، ليبقى في دائرة اللهاث هذه حتى آخر نفَسٍ له.
هل تبالغ؟ لا، لقد التقت قبل أيام بصديقتها المتزوجة، كانت منهمكةً بشدة في البحث عن حضانة لطفلها، وعندما سألتها لماذا تريد حضانةً وهي لا تعمل، أجابتها وهي تفرك يديها من التوتر: تعلمين؛ سيدخل الروضة بعد عامٍ من الآن، وأخشى ألا ينجح في المقابلة؛ لذلك أبحث له عن حضانة حتى يجد الوقت الكافي لتعلُّمِ شيء ما قبل ذلك الموعد.
ها؟ فتحَتْ كريمة فمَها ولم تتكلم؛ لأنها تعلم تماماً أنها إن فتحته فستخسر صديقتها، هه! مقابلة الروضة؟ هي تذكر تماماً أنهم أسّسوا نظام (الروضة 2) ليُعِدّ الطالبَ للدخول إلى المدرسة ومقابلتها، ثم ابتدعوا (الروضة 1) ليُعدّوا الطفل للروضة 2 ومقابلتها، وماذا الآن؟ حضانة لتُعدّ الطفل للروضة 1 ومقابلتها! هي لا تستبعدُ أبداً أن تسمع قريباً عن مستشفيات ولادة متخصصة في إعداد الطفل للحضانة ومقابلتها!
تبّاً للطفولة المعذبة! تململت في كرسيّها وعدّلت جلستها، وأخذت تتأمل ما حولها لتهرب مما في داخلها، الطاولة التي على يمينها تُقلّ سيدتين متوسطتي العمر، تتحدثان بحماسٍ كبير وبصوتٍ مرتفع دون تحرُّز:
- وماجد؟ هل نسيتِ ماجد؟ دائماً يأتي بواجبات غير مكتملة. أتساءل أين أهله وماذا يفعلون في حياتهم إذا كانوا لا يتابعون واجبات أولادهم؟
- فقط الواجبات؟ إنهم لا يتابعون أي شيء! أُرسل لهم أن أَحْضِروا الأولاد غداً بقميص أخضر، فيأتون اليوم التالي ولا يرتدي منهم القميص الأخضر سوى عدد محدود جدّاً. لا يوجد تعاون أبداً.. أناسٌ مهملون تماماً.
(هذا ما كان ينقصني!) تخرج من فمِ كريمة وهي تقوم من طاولتها إلى طاولة أخرى، لا تحتمل المزيد من التفاهات.. لا تكاد تعتدل في جلستها حتى تسمع الحوار القادم من العائلة التي تجلس بجانبها:
- لا تَلُم ابنَك يا عزيزي.. أنت لا تتخيلُ مقدار الثقل المرمي على كاهله، كل معلّمة تُكلّفُ الطلاب بواجبات كالجبال وكأنهم ليس لديهم سوى هذه المادة! إذا كانت كل معلمة تُكلّف ابني بصفحتين أو ثلاثة، ولديه سبع حصص في اليوم، فهذا يعني أكثر من عشرين صفحة يكتبها عندما يعود منهكاً من المدرسة وهو مازال ابنَ سبعِ سنين، كيف سينتهي منها كلها؟ قل لي. ومتى سيجد الوقت الكافي لزيارة جدته، أو الذهاب إلى حلقة التحفيظ، أو حتى اللعب بالكرة؟
- آه.. معك حقّ، أنا أيضاً مرهق من طلباتهم الكثيرة، تخيلي يا عزيزتي.. أمس الساعة التاسعة مساءً -عندما جلستُ على الأريكة لأول مرة منذ الصباح!- وصلتني رسالة من إحدى معلماته تطلب أن يحضر غداً وهو يرتدي قميصاً أخضر! هاهاها، فعلاً هذا ما كان ينقصني! نعم؛ سأترك كل أعمالي وأذهب حالاً لأشتري القميص له.. سمعاً وطاعة.
(يا إلهي! البشرية فقدت عقلها تماماً) قالتها كريمة وهي تقوم من المقهى مهرولةً نحو الخارج.. منْضَمّة إلى الماراثون من جديد.
التعليقات
اترك تعليقاً


آخر مقالات في القسم