ريشة وقلم

هكذا تكون الوحدة

هكذا تكون الوحدة



الوحدة عالم يخلقه الإنسان بنفسه أو يضطره الآخرون إلى صنعه، ليعيش فيه وحيداً بمعزل عن أفكارهم وأفعالهم التي غالباً ما تكون مستفزة له، غريبة عليه، لا يقبلها عقله ولا تستريح لها نفسه.
وسواء ذهب إليها الإنسان طواعية أو اضطره الآخرون إليها فهي عملية بتر غير مرئية لكل ما من شأنه أن يحفظ لهذا الكائن ابتسامته، روحه، موهبته.
وفي رواية (هكذا كانت الوحدة) للكاتب الإسباني الشهير «خوان خوسيه مياس»، التي ترجمتها إلى العربية «ناريمان الشاملي»، ضمن سلسلة الجوائز التي تبنتها الهيئة المصرية العامة للكتاب، يكتشف القارئ أن «إيلين» بطلة الرواية -التي كانت تستحق أن تعيش كما ينبغي أن تكون الحياة- ترمي بنفسها في أغوار وحدة غير مبررة؛ فهي تجيد الانكماش داخل النفس في محاولة هروب دائمة من الواقع، لا يبررها إلا الخوف من الاحتكاك به والتعامل معه والغوص فيه. ولذلك فهي على استعداد دائم للدخول في حوار داخلي متعمق مع كل حدث؛ فنجدها تغوص في تساؤلات ليس لها أول من آخر.. وإن كان لكل منها دلالة فلسفية يجدر أن تخضعها الفلسفة الحديثة للشرح والتحليل. 
إنها تفعل ذلك في كل وقت لتشعرك أنها كادت أن تنفصل حتى عن ظلها ما دام له احتكاك بذلك الواقع. إنه الهروب من الممكن إلى المستحيل، في محاولة لإخضاع الآخرين لمنطلقاتها النفسية وتفسيراتها الوجودية.. وحين سعى الآخرون كل إلى شأنه، تصورت أنهم تخلوا عنها، وأن الوحدة كتبت عليها.
إيلين كانت تعيش حياة مستقرة لديها كل أسباب الراحة العاطفية مع زوجها وكل مستلزمات الحياة. ولكنها حين وقعت في فخ الوحدة وانفصلت عن أسباب حياتها، انفصلت حتى عن ابنتها، فباتت تتساءل أي صلة تربطها بها؟ وعن أمها حين لم تجد أي تعاطف معها حتى في يوم موتها.. إلا أن مذكرات أمها التي كانت قد بدأت كتابتها وهي في مثل عمر إيلين جعلتها تقف على التقارب بينهما في أمور كثيرة، حتى ظنت أنها ممكن أن تعيش على قراءتها.. إنه عشق المستحيل وإهمال الممكن.
فإيلين -وأمثالها كثيرون- في حالة تعطش دائم للإحساس بمعاناتهم -كما يتصورونها- والانتباه لذواتهم ودواخلهم القلقة.. ويرمون باللوم في ذلك على الذين من شأنهم الاهتمام بهم (كالزوج أو الأم في أغلب الأحيان)، وربما هذا الذي جعل إيلين حين استأجرت مخبراً سرياً بهدف مراقبة الزوج، لم تعبأ بالنتائج التي توصل إليها، في حين كانت تتلهف على قراءة تقريره اليومي الذي يرسله إليها عبر البريد دون معرفة شخصيتها، حيث كانت ترسل إليه أجره عبر حسابه في البنك.
شغفت تفسيرات المحقق لقسمات وجهها، وما تعلنه عيناها، وجاء شعوره بدواخلها أهم لديها من أن تقف أو تهتم بمعرفتها خيانة زوجها.. فعالمها أصبح لا يحتمل غيرها وكل من يستطيع أن يجعلها عالمه.. حتى إنها حين فاتحت زوجها وأخاها برغبتها في الانفصال في المسكن، عاودت الهروب من فهم ما تعنيه كلماتهما، حيث قال الأخ: إنه ليس لديه وقت كافٍ ليشعر بالغربة، ولا يستطيع أن يفهم شكواها بأن الأشياء من حولها فقدت معناها، وإنه ربما لو عاش مثل حياتها البرجوازية الرغدة لكان لديه وقت لذلك).
ولم تختلف كثيراً كلمات الزوج؛ حيث أكد أنه لا يستطيع أن يناقش مسائل وجودية طوال الوقت، وأن في انشغاله بعمله (البيزنس) متعة أكبر بكثير من متعة جمع المال الذي تتهمه به. كما أن انشغاله هذا هو الذي جعل لديها الوقت لتبحث في مثل هذه المسائل.
وأرى أن ذلك على حقيقته لم يكن ليفرض عليها أو لتواجه به بهذه القسوة التي جعلتها تقدم على الرحيل بينما يتردد في داخلها كلمات الزوج الذي أرسلها إليها قائلاً: لا أستطيع أن أجبرك على العيش معي، ولن أؤكد عليك أنني أحبك، فقط أقول إنني في انتظار طلبك للمساعدة في أي وقت، كما أنني في انتظار رجوعك.
وأعتقد أن إيلين حين تغلق عليها باب شقتها الجديدة ستشعر بالوحدة بالفعل داخلياً وظاهرياً، وستبحث عن هؤلاء (الزوج- الأخ- الابنة...) وستغفر لهم عدم الاهتمام بها كما ينبغي أن يكون الاهتمام بمثيلاتها، قبل أن يفوت أوان ذلك ويصبحوا مستحيلاً كما حدث مع أمها.
إن حالة إيلين هي نموذج لكثيرات آثرن التأكيد على وجود المعاناة على أي وجود لأسباب تجاوزها.
التعليقات
اترك تعليقاً


آخر مقالات في القسم