معالم

جسور باريس على نهر السين.. تاريخ وحكايات

جسور باريس على نهر السين.. تاريخ وحكايات



تحكي جسور باريس في تاريخها وعراقتها أسرار مدينة أحبها العشاق والملوك وتغنى بها الشعراء، وهي ليست مجرد حجارة أو طرق لعبور المشاة، بل ملهمة للمبدعين وحدائق للعشاق والمتيمين، تغنى بها الشاعر الفرنسي "أبولينير" الذي عاش بين (1880 – 1918) وكتب في باريس أجمل قصائده وفي مطلع قصيدة عن جسر ميرابو كتب يقول:  
تحت جسر ميرابو يجري نهر السين
 ويجري حبنا
 هل من اللازم أن يتذكرني،
 السعادة تأتي دائماً بعد الألم 
فليأتِ الليل، فلتدق الساعة
 تمضي الأيام وأبقى 
يداً في يد، لنبقى وجهاً لوجه
 بينما تحت جسر أذرعنا
 تمر نظرات سرمدية
 الموجة جد متعبة 
يتوزع في باريس فوق نهر السين سبعة وثلاثون جسراً تربط بين ضفتي نهر السين الذي ينبع من منطقة بورغندي ويصب في قناة المانش الإنكليزية، إضافة إلى عدد من الجسور الصغيرة تعبر قنوات مائية تربط المدينة بأحيائها ومناطقها المختلفة. 
إلا أن هذه الجسور التاريخية الجميلة كادت أن تدمّر كلياً عندما كانت باريس ترزح تحت الاحتلال النازي؛ فبينما كانت قوات الحلفاء تتقدَّم نحو باريس لتحريرها قرر هتلر تدمير الكثير من مباني العاصمة الاستراتيجية تدميراً كاملاً، بدءاً من تفخيخ جسورها التي اعتبرت عنصراً مهماً في الاستراتيجية الألمانية، وبدأ الاحتلال النازي يعمد إلى تدمير العديد من الجسور في شرق باريس وتحديداً جسور منطقة شارلتون لوبون ولوجون وجان لوي لوبون.
 كما جرى تفخيخ عدد من الجسور شرق العاصمة وغربها، ولكن الظروف المستجدة حالت دون تفخيخ الجسور في قلب باريس، وذلك لإتاحة الفرصة للقوات الألمانية المندحرة في معركة النورموندي غرب فرنسا من العبور بأمان إلى شرق باريس، وهذا ما حال دون تفجير الكثير من الجسور من الدمار لأن قوات الحلفاء وصلت قبل فوات الأوان. وهو ما أنقذ جسور فرنسا من دمار حتمي ومن أجمل الجسور التي حال قوات الحلفاء دون تفجيرها بعد أن جرى تفخيخها بالألغام جسر "سان كلود" الذي كان من أجمل الجسور التاريخية، على مر العصور. كما أن جسر ألكسندر الثالث المذهَّب يعتبر من أجمل جسور العاصمة الفرنسية، وقد كتب عنه الشعراء قصائدهم، وهذا الجسر الذي يعود إلى مطلع القرن العشرين كاد أن يختفي إلى الأبد في صيف عام 1944.
 
أقدم جسور باريس
شيِّد هذا الجسر الذي يربط بين ضفتي السين منذ أكثر من أربعة قرون من الزمن ويعلوه تمثال للملك الفرنسي هنري الرابع، وقد اعتبر تحفة هندسية لا مثيل لها وثورة في عالم الجسور الفرنسية، وكان أول جسر حجري بني عليه رصيف لعبور المشاة والسيارات. 
 وتُزين الجسر من جانبيه أقنعة وتماثيل بوجوه مخيفة كان الفرنسيون يعتقدون أنها تبعد عنه الأرواح الشريرة وتحميه من شر الحسد، وعلى الجسر يتربع تمثال للملك هنري الرابع الذي دشَّن الجسر عام 1606.
ولكن هذا التمثال كان قد حطَّمه ثوار الثورة الفرنسية المطالبون بزوال الملكية الفرنسية، ولكن التمثال عاد من جديد إلى موقعه بعد سقوط نابليون وعودة الملكية إلى فرنسا، حيث تم تنصيب تمثال جديد للملك هنري الرابع، إلا أن هذا التمثال الملكي كشف عن أسرار مخبئة تحمل دلالاتها في التاريخ الفرنسي.
 ففي سنة 2004 كشف التمثال عن أسرار كان يحتفظ بها خلال قرنين؛ خلال عملية صيانة دورية للتمثال، حيث وجد العمال داخله أربع علب معدنية حوت محضراً لتصميم التمثال، ووثائق لإنجازات الملك هنري، وميداليات تحمل صورته، وكذلك وجدوا ميداليات وقطعاً ذهبية ونسخة فاخرة من كتاب فولتير عن حياة هذا الملك.
كما تم اكتشاف علب معدنية صغيرة تحمل في داخلها مفاجآت جديدة، حيث احتوت رسائل هجاء للملك من شخص معادٍ للملكية ومناصرٍ لنابليون، وكان هذا الشخص مكلفاً بإيداع هذه العلب الملكية داخل التمثال، حيث وجد الفرصة مناسبة لإخفاء العلبة الصغيرة التي احتوت الرسائل الهجائية والساخرة من الملكية داخل هذا التمثال الملكي الذي يقال إنه صنع بعد تذويب تمثالين لنابليون.
 
رحلة في نهر السين 
أبدأ جولتي في اكتشاف أسرار الجسور الباريسية وحكاياتها وارتباطها بذاكرة عاصمة الثقافة والفنون باريس من خلال قارب الباتوموش أو (القارب الذبابة)، والبداية كانت من جسر المامارسو حيث توجد أكبر محطة نهرية لهذه القوارب السياحية الشهيرة. 
وجسر ألما هو جسر قوسي في العاصمة الفرنسية باريس يقطع نهر السين فيصل بين شاطئيه، وقد شيد سنة 1854م في عهد الإمبراطور نابليون الثالث إبان سيادة الإمبراطورية الفرنسية الثانية، وأعيد بناؤه وتدعيمه سنة 1970 ليتحمَّل زيادة أعداد السيارات والمارة، وهذا الجسر أصبح له شهرة واسعة لأنه يقع بالقرب من نفق ألما الذي وقع فيه حادث السيارة الذي ذهبت ضحيته أميرة ويلز البريطانية الأميرة ديانا والمصري عماد الفايد (دودي) سنة 1997 وكانت هذه الحادثة سبب شهرة هذا النفق الذي يتربع فوقه تمثال ذهبي وكلمات تشير إلى الحادثة وضحاياها.
ويبلغ طول الجسر 150 متراً وعرضه أربعون متراً، وسمي بهذا الاسم لأن بناءه تزامن مع الفوز الفرنسي في معركة ألما التي وقعت قرب نهر ألما في بلاد القرم، الذي يصب في البحر الأسود. 
 
الجسر الملكي 
يعبر النقطة التي يلتقي فيه جسر الكونكورد وجسر الكسندر الثالث، ووضع له حجر الأساس في القرن التاسع عشر، هذا الجسر بناه الملك لويس الرابع عشر قبالة القصر الملكي الذي أنشأه فيكتور لاين عام 1686م، ويقع على ضفتيه متحفان عظيمان متقابلان يحفظان للبشرية قلائد إبداعاتها ونفائس حضاراتها عبر التاريخ، وهما اللوفر واورسي، وهو أول جسر ذو قوس فولاذي.
 
جسر الصداقة 
يمر الباتو موش تحت جسر الصداقة أو جسر الإسكندر الثالث، وهو من أجمل جسور باريس، وضع حجر الأساس له الإمبراطور الروسي نيقولاي الثاني والإمبراطورة اليكساندره مينو دوروفنا عام 1896 – 1900 تعبيرا عن الصداقة الفرنسية الروسية، ومما يلفت الأنظار في هذا الجسر أعمدة الجسر التي زينت برموز ذهبية، حيث تظهر إبداعات الفن الحديث في المصابيح، ,في تماثيل الملاك، والحوريات والخيول المجنحة على طرفي الجسر.
وقد صُنّف هذا الجسر كنصب تذكاريّ وصرح تاريخيّ، إضافةً لتصنيفه ضمن مواقع اليونسكو التّراثيّة، تمّ الانتهاء من بناء جسر ألكسندر الثّالث عام 1900م، وقد اعتبر هذا الجسر مُعجزة هندسيّة في القرن التّاسع عشر لبنائه من قوس معدنيّ واحد يمتدّ على ارتفاع ستّة أمتار
 
جسر بير حكيم 
أما جسر بير حكيم فهو يحمل اسم معركة شهيرة جرت في الصحراء الليبية أيام الحرب العالمية الثانية، وهي عبارة عن جسر حديدي للمترو في محطة باسي الذي ينقل الركاب بين ضفتي السين ويطل الجسر على مشهد برج إيفل الساحر.
 
 جسر الفنون 
جسر بون ذي أرت (جسر الفنون) يعتبر من أشهر الجسور الباريسية لارتباطه بالفن والحب والرومانسية، وهو مزار شهير لآلاف من المحبين والعشاق من أنحاء العالم يأتون إليه سنوياً تخليداً لحبهم من خلال تعليق هذه الأقفال التي تحمل أسماءهم بالسور الحديدي وإلقاء المفاتيح في مياه نهر السين، وهذا الجسر الذي يعبر نهر السين تم توثيقه من قبل منظمة اليونسكو كتحفة فنية ضمن قائمة التراث العالمي عام 1975.
 
التعليقات
اترك تعليقاً


آخر مقالات في القسم