تراثيات

اللقاط عادة شعبية صيفية لجمع ثمار النخيل

اللقاط عادة شعبية صيفية لجمع ثمار النخيل



اللقاط عادة تراثية قديمة كان الآباء والأجداد يمارسونها، ولا يزال الكثير من الكبار يتذكّرونها ويحنون إليها. واللقاط تعني عملية جمع ثمار النخيل التي تتساقط تحت جذوعها وترتبط بموسم الصيف الذي يثمر فيه النخيل ابتداء من (الخلال بو كريشة داموج ومخنن وخشاش والهري) ثم البسر أحياناً، وتساقط الرطب الناضج وكذلك التمر). 


من العادات الشعبية 
يشير الدكتور سالم زايد الطنيجي، الخبير والباحث في دراسات التراث الشعبي الإماراتي قائلاً: 
تعد عادة اللقاط من العادات الشعبية القديمة الموجودة في مجتمع الإمارات، خاصة في الواحات والمناطق التي تكثر فيها أشجار النخيل، وهي عادة تتطلب الاستعداد الجيد، كالنوم المبكر والاستيقاظ في وقت محدد، وهذا النشاط يقوم به الأبناء لمساعدة الأهل على التقاط وجمع ثمار النخيل التي تتساقط تحت جذوعها، وهو جهد غير طبيعي، يتطلب الإيثار والتعاون ونكران الذات. وأضاف: هذه العملية تتم في ظروف وأوقات صعبة، أي إنها تتم بالليل في ظلام دامس، ومن يمارسها ومعه مصباح يكون أحسن حالاً من غيره. 


متعة غريبة.. ومسؤولية واجبة
وترى الكثيرين من جامعي هذه الثمار (خشاش، خلال، رطب، تمر)، في مزارع النخيل، وفي الأوقات المختلفة ليلاً ونهاراً، والغريب في الأمر أن الكثير من الشباب والبنات يجمعون هذه الثمار بمتعة غريبة، وهي تعد واجباً تجاه الأسرة التي ينتمون إليها، لأنها تعينهم على توفير العلف للحيوانات التي يربونها من ماعز وغنم وبقر، وحمير أحياناً، انطلاقاً من أنها مسؤولية واجبة، لأن الأسرة تنطلق من منظومة من العلاقات المشتركة، والأدوار بينها مبنية على التعاون ما بين أفرادها للوصول إلى توفير الحاجات لممتلكاتهم من الحيوانات التي يقومون على تربيتها لديهم. 


لقط الشي يعني أخذه
اللقاط مفردة يعود أصلها إلى "لقط" ويشير الباحث إلى معناه إذ يقول: "لقط الشي يعني أخذه"، وهذا نشاط قديم كان شائعاً في القرن الماضي، ولا يزال كثير من الكبار يتذكرونه ويحنون إليه، وكذلك يتحدثون عن المواقف التي مرت بهم عند القيام بها، وأحياناً يتذكرون غلبة النوم عليهم، وكيف ضاعت فرصة الاستيقاظ للقيام بهذا النشاط للذهاب للنخيل، ومنهم من يتذكر كيف ضعفت البطاريات التي كانت تستخدم للمصباح الذي يحملونه في أيديهم، وانعكس ضعف الإضاءة على انعدام الرؤية، ومنهم من كان يسمع نقيق الضفادع ليلاً في مكان يتسم بالهدوء والسكينة، والبعض يردف قوله عن شقاوة الجن معهم، وإحداث الأصوات الغربية في مناطق مختلفة من النخيل، وكيف تعامل مع ما يسمعه برباطة جأش، واستطاع أن يصمد دون خوف أو وجل. 

مخرافة أو جفير 
واللقاط يعتمد على مثلث متساوي الأضلاع والزوايا، من ثمار النخيل، واللاقط، ووعاء الجمع، الذي يطلق عليه (مخرافة أو جفير)، إضافة إلى المصباح الذي يحمله بيده اليسرى، ليجمع بيده اليمنى، وبالتالي أدت هذه الأدوار والمبادرات من الأبناء إلى نتائج مرضية للأسرة في الزمن الماضي الجميل، وخاصة إن كانت الأسرة لديها أكثر من ابن. 


عملية موسمية صيفية
اللقاط هو عملية كانوا يقومون بها في موسم الصيف، حيث تثمر فيه النخيل ابتداء من (الخلال بو كرشية، داموج، مخنن، وخشاش، والهري، والخلال بعد ذلك تعصم ثم البسر أحياناً، وتساقط الرطب الناضج، وكذلك التمر)، وفي هذه الفترة تنشط الجهود وتزداد الحركة في الحصول على هذا التمر الذي يتساقط بفعل الرياح في نفوس الشباب التنافس الإيجابي للذهاب إلى مزارع النخيل سيراً على الأقدام، والعودة بروح مفعمة بالنشاط والتفاؤل والمخاريف والضمايد مملوءة بما جمع في هذا اليوم. 


ليس بالأمر اليسير
قد تبدو هذه العملية (اللقاط) سهلة من الوهلة الأولى، غير أنها تحتاج إلى لياقة عالية، لأن المشي ذهاباً وإياباً لمسافات طويلة ليس سهلاً، وكذلك الانحناءة وجمع هذه الثمار المتساقطة تحت كل نخلة ليس بالأمر اليسير، وبالتالي يتطلب الأمر قدرة الشباب الذين يقومون بهذا العمل، وفي المقابل أيضاً يفترض أن تكون النخلة نظيفة بشكل مستمر دون مخلفات أو ثمار متساقطة تحتها، لأن بقاء هذه الثمار يساعد على تجمع الحشرات والديدان والتلوث، ومن هنا فإن تنظيفها يومياً من هذه البقايا يساعد على إبقائها نظيفة باستمرار. 

دور الأطفال وسعادتهم
وكذلك إن لم يقم صاحب النخل بالتقاط ما يتساقط منها يومياً، فهناك من يستطيع القيام بهذا العمل دون استئذانه، وهذا ما جرت عليه العادة في موسم الصيف، وأحياناً يطلب من الأطفال أن يقوموا بهذا اللقاط وكانوا يسعدون كثيراً حينما يطلب منهم القيام بهذه العملية. 

صباحية ومسائية
وعملية اللقاط كانت تتم في الماضي على فترتين، صباحية ومسائية، الفترة الصباحية تتباين وتختلف من منطقة لأخرى، ففي بعض المناطق تكون قبل صلاة الفجر، والمسائية من قبل صلاة العصر إلى المغرب. 


فوئد العادة الجميلة
تهذب هذه العادة الجميلة أخلاق الابن وتعوده على الصبر والجلد والتحمل، فلها هدف أساسي، وهو هدف تربوي قيم لتهذيب شخصية الأبناء، وخلق القدرة لديهم للتعامل مع معطيات البيئة التي يعيشون فيها، يتأثرون بها، ويؤثرون فيها. ومن جهة أخرى تعزز الترابط الأسري والمسؤولية المجتمعية والتكامل بين أفراد الأسرة الواحدة، وهي عميقة الدلالة، ويلاحظ فيها تبادل الأدوار، والحفاظ على النسيج الاجتماعي، مما أخرج مجتمعاً مترابطاً ومتماسكاً لديه القيم الأصيلة التي تعزز بقاءه واستمراريته.

التعليقات
اترك تعليقاً


آخر مقالات في القسم