من أجل ولدي

سيكولوجية المراهق

سيكولوجية المراهق



المراهقة مرحلة من مراحل نمو الطفل تعد الأخطر، وذلك لتعرض الطفل لتغيرات فيزيولوجية وعاطفية وعقلية كبيرة، وهي مرحلة تتطلب من الأهل الحذر والهدوء والمعرفة والعقلانية في تعاملهم مع المراهق، آخذين بعين الاعتبار هذه الطفرة التي تحدث على كيانه الروحي والجسدي، مما يجعله عصبياً وعاطفياً وحاداً وعنيداً وعنيفاً، وهو يتصارع في داخله ماراً بمرحلة الصراع بين مرحلتين هما الطفولة والشباب، بحيث إن المراهقة (بكل تعقيداتها المؤلمة) هي جسر العبور إلى الشباب.
 
مفهوم المراهقة: 
تعود كلمة "المراهقة" إلى الفعل العربي "راهق" الذي يعني الاقتراب من الشيء، فراهق الغلام فهو مراهق، أي: قارب الاحتلام، ورهقت الشيء رهقاً، أي: قربت منه. والمعنى هنا يشير إلى الاقتراب من النضج والرشد. 
أما المراهقة في علم النفس فتعني: "الاقتراب من النضج الجسمي والعقلي والنفسي والاجتماعي"، ولكنه ليس النضج نفسه؛ لأن الفرد في هذه المرحلة يبدأ بالنضج العقلي والجسمي والنفسي والاجتماعي، ولكنه لا يصل إلى اكتمال النضج إلا بعد سنوات عديدة قد تصل إلى 10 سنوات. 
 
وهناك فرق بين المراهقة والبلوغ، فالبلوغ يعني "بلوغ المراهق القدرة على الإنسال، أي: اكتمال الوظائف الجنسية عنده، وذلك بنمو الغدد الجنسية، وقدرتها على أداء وظيفتها"، أما المراهقة فتشير إلى "التدرج نحو النضج الجسمي والعقلي والنفسي والاجتماعي". وعلى ذلك فالبلوغ ما هو إلا جانب واحد من جوانب المراهقة، كما أنه من الناحية الزمنية يسبقها، فهو أول دلائل دخول الطفل مرحلة المراهقة. 
ويشير ذلك إلى حقيقة مهمة، وهي أن النمو لا ينتقل من مرحلة إلى أخرى فجأة، ولكنه تدريجي ومستمر ومتصل، فالمراهق لا يترك عالم الطفولة ويصبح مراهقاً بين عشية وضحاها، ولكنه ينتقل انتقالاً تدريجياً، ويتخذ هذا الانتقال شكل نمو وتغير في جسمه وعقله ووجدانه. 
وجدير بالذكر أن وصول الفرد إلى النضج الجنسي لا يعني بالضرورة أنه قد وصل إلى النضج العقلي، وإنما عليه أن ينهل من خبرات الحياة وينمي مداركه بالتفاعل مع محيطه البيئي والاجتماعي حتى يصل إلى النضج العقلي.
 وللمراهق نموه المتفجر في عقله وفكره وجسمه وإدراكه وانفعالاته، مما يمكن أن نلخصه بأنه نوع من النمو البركاني، حيث ينمو الجسم من الداخل فيزيولوجياً وهرمونياً وكيميائياً وذهنياً وانفعالياً، ومن الخارج والداخل معاً عضوياً.
 
مراحل المراهقة: 
والمدة الزمنية التي تسمى "مراهقة" تختلف من مجتمع إلى آخر، ففي بعض المجتمعات تكون قصيرة، وفي بعضها الآخر تكون طويلة، ولذلك فقد قسمها العلماء إلى ثلاث مراحل، هي:
1- مرحلة المراهقة الأولى (11-14 عاماً)، وتتميز بتغيرات بيولوجية سريعة.
2- مرحلة المراهقة الوسطي (14-18 عاماً)، وهي مرحلة اكتمال التغيرات البيولوجية.
3- مرحلة المراهقة المتأخرة (18-21)، حيث يصبح الشاب أو الفتاة إنساناً راشداً بالمظهر والتصرفات. 
ويتضح من هذا التقسيم أن مرحلة المراهقة تمتد لتشمل أكثر من عشرة أعوام من عمر الفرد.
 
خصائص مرحلة المراهقة:
يمر المراهق بتغيرات جسمية وعقلية ونفسية واجتماعية، حتى إن بعض علماء النفس يسمي هذه المرحلة بالعاصفة التي ينبغي الاستعداد لها، ويمكن أن نفصل قليلاً هذه الجوانب من النمو:
- النمو الجسمي: إن جسد المراهق يواجه عملية تحول كاملة في وزنه وحجمه وشكله، وكذلك في الأنسجة والأجهزة الداخلية وفي الهيكل والأعضاء الخارجية، فيبدأ الفرد يحس بهذه التغيرات فيتغير الصوت إلى الخشونة، وتبدأ ملامح الرجولة في ظهور الشعر والأنوثة بالنسبة للبنت، وهذه الأمور قد تسبب الإحراج والخجل، ومن ذلك ظهور حب الشباب، وفي هذه المرحلة يخرج المراهق من حيز الطفولة إلى حيز الشباب، وقد يحس أنه أقوى الناس، ويستطيع القيام بأعمال البطولة التي لم يسبق إليها، وفي هذه الفترة تكثر تعليقات المراهقين حول الجسم ويتنابزون الألقاب والأشكال، وتكثر تعليقات الآباء والأمهات؛ وذلك بسبب التغيرات الجسمانية.
- النمو العقلي: تتميز فترة المراهقة بنمو القدرات العقلية ونضجها، فينمو الذكاء العام عنده، وتزداد قدرته على القيام بالعمليات العقلية والإدراكية كالتفكير والتذكر والتخيل والتعلم، وتكثر أسئلته حول القضايا العامة والخاصة، ويهتم بالقصص، ويهتم بالأبطال والنابغين، والمشاهير، ويحاول أن يتقمص شخصياتهم. والمراهق في هذه الفترة يستطيع الاستقلال في التفكير، كما يمكنه إدراك الكثير من حقائق الأشياء.
- النمو النفسي السيكولوجي: يمر المراهق بفترة حرجة من التغيرات النفسية -السيكولوجية- وهو أمر طبيعي لما ينشأ عنه من طاقات واستعدادات وقدرات تتفاعل فيما بينها لتشكيل شخصية المراهق. 
 
ومن هذه التغيرات: حدة الانفعال، حيث يغضب ويثور لأسباب تافهة، كما يمتاز الانفعال بالتقلب وسرعة التغيير، فهو يريد أن يثبت لغيره أنه أصبح رجلاً كبيراً له رأيه وشخصيته ولم يعد طفلاً، كما أنه يتصف بالحساسية الشديدة المرهفة، التي تتأثر لأتفه المثيرات، وقد يصاب بعض المراهقين ببعض السلوكيات غير السليمة، مثل التمرد والعصيان والانسحاب من الحياة الاجتماعية وعدم حبهم لمخالطة الناس وخوفهم من الاجتماع بالآخرين.
- النمو الاجتماعي -السوسيولوجي-: يتأثر النمو الاجتماعي -السوسيولوجي- للمراهق بالبيئة الاجتماعية والأسرية التي يعيش فيها، فما يوجد في البيئة الاجتماعية من ثقافة وتقاليد وعادات وأعراف واتجاهات وميول يؤثر في المراهق ويوجِّه سلوكه، ويجعل عملية تكيفه مع نفسه ومع المحيطين به عملية سهلة أو صعبة، ومن المتغيرات النفسية في فترة المراهقة رغبة المراهق في الاستقلال عن الأسرة وميله نحو الاعتماد على النفس، كما أنه يزيد ميله إلى الانتماء إلى رفقة أو صحبة أو مجموعة تشاركه مشاعره وتعيش مرحلته ليبث إليها آماله وآلامه.
- النمو الوجداني والاقتصادي: إن المراهق في هذه المرحلة يعمل على تحقيق ذاته حتى يثبت للناس أنه لم يعد الطفل الصغير الذي لا يعبأ به؛ ولذلك قد ينتقد بعض التصرفات المحيطة به، ويحاول أن يستخدم إمكاناته بصورة أكثر نضجاً، وعلى مستوى أكثر تعقيداً ليعطي كما يأخذ وليقيم علاقات مع الآخرين ويثق فيهم ويتعلم ما ينفعه وما يضره، وإن رفض المراهق التدخل من قبل الأب أو أفراد الأسرة عموماً شيء طبيعي في هذه المرحلة، وكثيراً ما تظهر على المراهق مظاهر عدم الرضا عن الأسلوب الذي تتبعه الأسرة في التوجيه أو الأمر بعد مصادقة شخص أو أشخاص معروفين بالسلوك الشاذ، على الرغم من اقتناعه بصراحة وسلامة رأي الأسرة؛ لأنه يعد أن هذا التدخل يضعف شخصيته، والمراهق في هذه المرحلة ينشد الاستقلال المادي ويحاول جاهداً أن يستقل معتمداً على نفسه، إن العامل الاقتصادي له تأثير سلبي على السلوك النفسي والاجتماعي للمراهق، لاسيما إذا ما غابت التربية الإسلامية الحقة، التي تدعو إلى بذر بذور القناعة والرضا في نفوس أفراد المجتمع، كي تسير الحياة مسيرتها الطبيعية دونما خلاف وشقاق، بل مؤاخاة ومصاحبة وصدق ووفاء.
 
 مشكلة المراهق:
المراهقة تعتبر مشكلة قائمة بذاتها وعلى المتعاملين معهم توخي الحذر في التعامل مع المراهقين باعتبارهم لا يدركون تماماً طبيعة وخصائص المرحلة التي يمرون بها وفي كثير من الأحيان لا يسيطرون على تصرفاتهم وتعاملاتهم مع الآخرين.
 هناك أناس لا يصادفون المراهق إلا في الشارع؛ ولذا يستفزهم كل شيء فيه، ملابسه ونظراته وألفاظه، ويبدو أن الصبي يثير حساسيتهم لا لشيء إلا لأنه صبي، ولأنه في الشارع! وهناك آخرون على العكس من ذلك -اصطدموا- بالمراهق عن قرب -في إطار الأسرة- مما يجعل حالة من الإحباط تصيبهم حين يتبدى لهم أن الأطفال في الأسر الأخرى كافة عاديون، أما ابنهم فهو الطائش الوحيد.
إن مشكلة المراهق مشكلة قائمة بالفعل، إذ إن الحديث لا يدور هنا حول بعض النواقص، وليس حول أن هناك من هو غير قادر على تربية ابنه، بل إن الأمر على خلاف ذلك؛ لأن الجميع مشغولون بمدى صحة طريقة تربية المراهقين عموماً، وبما يتم اتباعه من كل ما هو ضروري للتربية السليمة، وعادة ما تظل سلبيات التربية وحتى سن العاشرة أو الحادية عشرة قاصرة على نطاق الأسرة، ويمكن أن تتعداها في أسوأ الأحوال لتشمل المدرسة، أما فيما بعد فينخرط المراهق في حياة المجتمع ليصبح مع كل عام جديد أكثر انتشاراً، ويؤثر بطريقته الخاصة في المجتمع.
إن التعامل من قبل الوالدين مع المراهق يجب أن يكون دقيقاً وواعياً ومتفهماً للمرحلة العمرية الحساسة، التي يمر بها، لذلك فليست الصرامة أو الوداعة في التعامل هي التي تؤثر تأثيراً حاسماً في المراهقين، بل هي العدالة التي تفعل ذلك، وذلك أن المراهقة هي من أصعب المشاكل التي تواجه الأسرة.
ويكمن المدخل إلى الانضباط العائلي في أن يكون قرار الوالدين بعيداً عن تأثير المزاج حتى يفهم أطفالنا -أو يشعروا- السبب الذي دعانا إلى اتخاذ هذا القرار وليس ذاك، ولكي يجدوا مبرراً ما لأفعالنا وليس مجرد الجور والمزاج المتقلب، ومن هنا فليس مهماً تحديد أية وسيلة للعقاب؛ فالصرامة لازمة للأمور المهمة، وغير الصرامة للأمور الأقل أهمية، وينحصر الهدف من الانضباط في تعليم المراهق تحمل مسؤولية سلوكه، لكن هذا لا يعني أنه ينبغي أن يجد الفرصة متاحة له لإظهار مدى تحمله للمسؤولية وللتدريب على ذلك، أما إذا فرضنا عليه وصايتنا في كل شيء، فإنه لن يتعلم تحمل مسؤولية نفسه، فعلى الأسرة منحه الثقة الكافية بنفسه باعتباره لا يجد نفسه طفلاً وإنما رجلاً، وهذه ناحية مهمة في تعامل الأسرة مع المراهق.
 
المراجع: 
1- بدر الماص – هدي الإسلام في تربية المراهق – مجلة التربية عدد سبتمبر 2002 ص 88.
2- المراهقة – ويكيبيديا – الموسوعة الحرة.
3- عبد الرحمن العيسوي كتاب " سيكولوجية المراهق " ص 12. 
4- د. فؤاد البهي السيد، كتاب "الأسس النفسية للنمو" دار الفكر العربي – ص 22.
5- المراهقة خصائص المرحلة ومشكلاتها - موقع المسلم الإلكتروني 15-2-1425.
 
التعليقات
اترك تعليقاً


آخر مقالات في القسم