ريشة وقلم

الرصيف بين الوظيفة والدلالة

الرصيف بين الوظيفة والدلالة



الرصيف هو ذلك الحيز المكاني الذي يخصص عادة للمشاة ويفصل بين المباني والطرق والشوارع الملاصقة لها، وبين الرصيف والإنسان علاقة حميمة ورؤومة لا تخلو من العمق والدفء تتجاوز الظاهر الوظيفي المادي إلى دلالة معنوية عاطفية إنسانية واجتماعية لها وقعها ورنينها الخاص في الذاكرة والوجدان. كما أن للرصيف أثره في الحياة اليومية للمواطنين في أي حي أو مدينة يسكنونها مع تغير في الوظيفة والدلالة في الواقع العربي.  
أنشئت الأرصفة أولاً في روما القديمة بغاية أن تشكل حواجز فاصلة تفصل الطرق عن الساحات والمباني، ثم  تحول الرصيف إلى الجزء المفضل لدى المشاة الذين وجدوه آمناً بعيداً عن مسارات العربات المجرورة وسيلة النقل الأكثر شيوعاً آنذاك، ثم تحولت إلى مكان يتجمع فيه الناس من أجل مشاهدة الاستعراضات التي كانت تنظم بشكل دوري، وكانت تبلط عادة بالحجارة التي ما زالت تستعمل في كثير من الأحياء الأوروبية إلى يومنا الراهن، ثم انتقلت عدوى الأرصفة إلى باقي مدن أوروبا ومنها العاصمة الفرنسية باريس؛ إذ إنها تعد أيقونة العمارة الأوروبية. وتجدر الإشارة أن المدن الأوروبية يعرض على أرصفتها العروض الفنية والموسيقية، بينما الأرصفة العربية تتحول لملاذات آمنة للمشردين والشحاذين والباعة المتجولين. 
الكاتب العراقي ياسين النصير في مقال له عن الأرصفة وتنظيم المدينة، يكتب: "إن حوار الشارع دائماً مع الآخر على العكس من حوار الأرصفة يكون دائماً مع النفس، وارتباط الأرصفة بحياة الناس ارتباط جمالي، حيث تتعلق الممارسة فيها بقدرة الجسد الذاتية على الفعل الموضوعي على حرية الجسد لا تقييده بالآلة، وهو ما يتطلبه موقف تحديث الرؤية للمعايشة مع صخب الحداثة". 


الرصيف عربياً
انتقل الرصيف إلى عمليات تأسيس المدن العربية من خلال التأثر بالمدن الأوروبية، وتمت الاستعانة في تصاميم الأرصفة بخبراء ومهندسين أجانب، وكمثال فإن الخديوي إسماعيل استعان في بناء مدينة الإسماعيلية المصرية وأرصفتها بالمهندس "هوسمان" الذي ساهم في تخطيط المدينة، حتى إنها سميت بباريس الصغرى، ولا ننسى القول إنه خلال فترة الانتداب الفرنسي لبعض الدول العربية تم تأسيس وتنظيم الشوارع والساحات والأرصفة في المدن العربية بواسطة خبراء ومهندسين فرنسيين. وهنا اعتاد المواطن العربي على هذه الأرصفة، كمرفق أو كحيز مكاني يستفاد منه في قضاء الحاجات الأساسية وممراً مريحاً للمشاة في المدن العربية. 
في مصر عندما تمشي على الرصيف في القاهرة تتلمس سمات وجوانب الحياة المصرية، وتتميز بعض الأرصفة في منطقة ما بسمات وملامح مختلفة عن أرصفة أحياء أخرى، "ده رصيف الحكومة" تعبير يطلقه المصريون وينم عن اعتراض من جانب بعض المشاة على ازدحام الرصيف بالبضائع والسلع والحاجيات الشرائية بعد أن تحول إلى "ملكية خاصة" للباعة، خاصة في المناطق الشعبية، رغم أنه من المفترض أن يخصص للمشاة، لكي يجنبهم مخاطر السير في عرض الطريق. 
وتأخذ المقاهي جزءاً من حيز الرصيف إن لم يكن الرصيف كله، إذ يدخل ضمن محيط المقهى، ويجلس عليه من يدخن الشيشة أو يرتشف فنجاناً من القهوة أو يحتسي كوباً من الشاي، وتجد بجوارهم باعة الخبز وتجار الخضراوات والفاكهة وغيرهم، وعربات الفول أيضاً من المشاهد المتعارف عليها على الرصيف، وأصحاب هذه العربات يأتون بخاصة في الفترات الصباحية من النهار، وذلك لتقديم وجبات صباحية للزبائن الذين يتكومون حول هذه العربات. وفي منطقة وسط البلد التجارية بالقاهرة، تزدحم الأرصفة كثيراً بالسكان، إذ يكثر عليها الباعة المتجولون؛ فمنهم من يقف بعربة خشبية أو يفرش بضاعته على الرصيف. أما محتويات "تجارة الرصيف" فهي كل ما يخطر على بال المرء من أنواع الملابس للكبار والصغار والتي تباع بأسعار أقل من نظيراتها بالمحلات التجارية، وهناك باعة لكتب الرصيف فهم يبيعون الكتب والمجلات القديمة. 
في لبنان يضطر المواطن اللبناني الذي قرر التنقل مشياً وفي كثير من الأحيان إلى سلوك الطريق العام المخصص للسيارات عوضاً عن استخدام الرصيف، وحفاظاً على سلامته وتجنباً لأية مفاجآت غير سارة. 
ما تحدثنا عنه في مصر ولبنان يكاد يكون صورة متقاربة جداً مع مشاهد متماثلة في مدن عربية أخرى في أكثر من بلد عربي.
يتحدث الدكتور حمزة رستناوي في مقال له عن العلاقة بين المواطن والرصيف فيقول: "إن الرصيف بالمعنى السياسي يتضمن كل ما هو هامشي ومغيب في سياق الحديث عن المجتمعات العربية سياسياً واقتصادياً واجتماعياً؛ فالشعوب العربية كلها مرمية على الرصيف – وإن بنسب متفاوتة – والحكومات بأتباعها وسياراتها السوداء تنفرد بحق السيطرة على الشارع والسير فيه، فنحن نعيش ازدواجية في العلاقة بين الرصيف "الدال" والرصيف "المدلول"". 
ختاماً، نصل إلى نتيجة مفادها تتشابه الأرصفة العربية في عدة جوانب من حيث مساحة حيز التشغيل والمساحة المقتطعة للباعة المتجولين وغيرهم من المواطنين والمشردين والشحاذين وأصحاب العاهات وغيرهم ممن قذفتهم المدن إلى هذه الأرصفة ، لتكون مكاناً حنوناً مريحاً للمهمشين والحيارى في المدن العربية، ولعل التشغيل المحدود للرصيف ليقوم بمهمته الأساسية مكاناً فاصلاً بين الطرق والأبنية وممراً للمشاة. أقول: لعل هذا التشغيل المحدود يعود إلى أزمة المدن الاقتصادية والاجتماعية؛ فلولا التهميش الاقتصادي والاجتماعي لما وجدنا هذا الكم من البشر الذين يمارسون وظائف خارج نطاق وظيفة الرصيف الأساسية وهي تأمين سير المشاة، وأيضاً يعود إلى هشاشة وخلل في القوانين المتبقية في هذه المدن على النقيض من الدول الأوروبية، فلقد سمعنا أخيراً أن دولة النرويج ستتخذ قراراً بحل مشكلة الشحاذين الذين يشوهون الأرصفة في المدن النرويجية. 

التعليقات
اترك تعليقاً


آخر مقالات في القسم