ناس وحكايات

"شجرة الزيتون" الشجرة المباركة



الزيتون من الأشجار المباركة التي ورد ذكرها في القرآن الكريم عدة مرات، وأوصى النبي صلى الله عليه وسلم أمته بأن يأكلوا من زيتها ويدهنوا به، وقد ثبت علمياً فوائد أكل زيت الزيتون، والادهان به. 
لشجرة الزيتون مكانه خاصة في تراث الشعوب العربية، ولعل الشعب الفلسطيني خير مثال على ذلك، حيث يعد الزيتون القوت اليومي لديهم، فهو طبق لا بد منه على المائدة الفلسطينية إضافة إلى قيمته المعنوية لكونه جزءاً من نضال هذا الشعب وأحد رموزه في الحرب والسلام.
ورغم المصاعب والعواقب التي يواجهونها بسبب الاستيطان وحماية دولة الاحتلال لهذه الإجراءات القمعية، والتي تصل إلى حد تجريف كامل الأراضي التي زرعت بأشجار الزيتون، حيث يحاول المحتل محاربة الفلسطيني في مصدر رزقه، يبقى الفلسطيني متشبثاً بحقه في أرضه، عنوان الصمود.


موسم التكافل الاجتماعي

يعبر الحاج أبو حسين عن ارتباط الزيتون بالناس هنا بقوله: يبقى الشعب الفلسطيني صامداً في أرضة مادامت شجرة الزيتون قوية خضراء اللون متجذرة في الأرض، فقد تعلمنا منذ الصغر أنه إذا أردنا الحفاظ عليها فلا بد لنا من الدفاع عن الأرض والوطن.
ويضيف قائلاً: في هذا الوقت من كل عام يبدأ موسم قطف الزيتون حيث يعتمد العمل على سواعد الفلسطينيين التي تشتاق لجني الثمار من عام إلى آخر، ويبدأ العمل مع قطرات الندى في الصباح الباكر حيث نشد الرحال إلى الحقول لجني ثمار الزيتون في منتصف شهر أكتوبر من كل عام، ويعتبر هذا الموسم من أهم مواسم الحصاد التي يحتفل بها الفلسطينيون وأكثرها تميزاً لما يحمله من خير وربح.
ويصف أبو حسين أهمية التكافل الاجتماعي قائلاً: في موسم الزيتون تظهر فكرة "العونة" التي تعني المساعدة، يشترك الجميع في قطف أشجار الزيتون دون النظر إلى من هو مالك هذه الأرض، وتنشط الأعمال التطوعية من قبل الجمعيات والمؤسسات، وتجد نفسك تجني ثمارك وبجانبك شبان وبنات، وطلاب بأعمار صغيرة، يحاولون التعبير عن ارتباطهم بالأرض عبر هذا العمل، وبهدف حماية المزارعين الذين يتعرضون لبطش المستوطنين في مناطق الاحتكاك، حيث تستهدف دولة الاحتلال أشجار الزيتون وتشن عليها حرباً ضروساً.

 

مصاعب وتحديات

ومع بدء موسم قطف الزيتون في كل عام يواجه الفلاحون الفلسطينيون مصاعب وتحديات متزايدة، خاصة في موسم القطاف من كل عام، حيث يعاني المزارع الفلسطيني الذي تقع أراضيه بجوار المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية من معاناة كبيرة، فقد يتعرض للضرب والاعتداء من المستوطنين ولسرقة محاصيل الزيتون، وفي بعض الأحيان لإحراق الحقول. وتتركز مثل هذه الاعتداءات في محافظتي نابلس والخليل، حيث المستوطنون هناك من أشدهم تطرفاً، كل هذا تحت سمع وبصر جنود الاحتلال المسيطرين على الموقف الأمني هناك.

أما المُزارع الفلسطيني في القرى المحاذية لجدار الفصل العنصري فهو يتعرض لمعاناة أخرى، حيث يتوجب عليه استصدار تصريح عن طريق الارتباط المدني ليتمكن فقط من دخول أرضه، إلا أن هذا لا يعني بالضرورة تمكنه من قطف ثماره بأمان، وقد يمنع الكثير من الأهالي من دخول الأراضي الزراعية خلف الجدار بدعوى أنهم مرفوضون أمنياً.

يقول زهير أبو زينة: أملك أرضاً زراعية كبيرة تبلغ مساحتها " 133 دونماً" بالقرب من قرية عصيرة، مزروعة بالزيتون منذ زمن طويل ورثتها عن أجدادي، إلا أن الجدار العازل أتى على أغلبها وبقي منها جزء بسيط، وقد رفضت بيعها على مدار سنوات من العروض التي قدمت لي.
ويضيف: اليوم غير مسموح لنا بدخول المكان لجني الزيتون، وكل عام أقف على مشارف الأرض وأتحسر على تلك المسافة القصيرة التي تفصلني عنها، لا أستطيع الذهاب إلى هناك، أقف لساعات طويلة حتى أتمكن من الاقتراب، ولا يسمح لي باصطحاب أحد من أقاربي أو أصدقائي أو حتى زملائي المزارعين لمساعدتي في جني ثمار، وغير مسموح لي بالبقاء في الأرض إذا دخل المساء.
ويتابع أبو زينة: مع اعتداءات المستوطنين، يظهر جلياً استهداف العدو الإسرائيلي للشجر كما يستهدف البشر تماماً، وأن أشجار الزيتون تغيظ المحتل إلى درجة لا يطيق معها أن يتابعنا ونحن نجني ثمار شجرتنا التي نحبها وتعبر عنا ونرتبط بها جيلاً بعد جيل.


البحث عن الأمان

فيما يرى محمود لوزة، من قرية بورين جنوب نابلس، أن موسم الزيتون الذي كان تاريخياً مرتبط بالخير، جعل منه الاحتلال مرتبطاً بالخوف والألم، حيث نتعرض في القرية إلى شتى أنواع العذاب التي يمكن أن يقاسياها شعب لا يطمح إلا إلى قطف ثمار أشجاره بهدف كسب قوته، فالزيتون كما هو معروف شجر موسمي، ولا نجنيه سوى مرة واحدة في العام، ورغم هذا قد لا نتمكن من ذلك، حيث يحولون يننا وبين أرضنا.
ويضيف لوزة: لا يكتفي المستوطنون بإجراءات جيش الاحتلال بل يشاركون بإيذائنا تحت حماية الجيش، فيقومون مثلاً بسرقة الثمار قبل وصولنا للحصاد، وقد يصل الأمر إلى إشعال النار في بعض الحقول حتى لا نستفيد منها. وتقول الإحصائيات: إن نحو 70 دونماً مزروعة بالزيتون أحرقها المستوطنون في الضفة الغربية هذا العام فقط، ويستندون في ذلك إلى أحقيتهم في الأرض وكل ما عليها وفق ما تمليه عليهم توراتهم المحرفة.
 

مصدر دخل أساسي

حيث يعتبر القطاع الزراعي العمود الفقري للاقتصاد الفلسطيني، تنبع أهمية موسم قطف الزيتون في الأراضي الفلسطينية بشكل عام، وذلك من خلال مساهمته الإيجابية في الناتج المحلي الإجمالي، وهذا ما يعني توفير فرص عمل أكبر لقطاع واسع من أبناء الشعب الذين يعاني أغلبهم مشكلة البطالة، بالإضافة إلى كونه مصدراً أساسياً للغذاء، إذ يستخدمه الفلسطينيون بكثرة زيتوناً وزيتاً، ويعد من أهم الصادرات المحلية التي تميز منطقة عرفت على مدار تاريخها بجودة زيتونها ووفرته.
ويؤكد المهندس الزراعي بوزارة الزراعة الفلسطينية جودت سمور أن الزيتون يشكل مصدر الدخل الرئيس للمزارعين الفلسطينيين في السنوات الماضية، وللأسف فإن تدني سعر الزيت نتيجة منع التصدير إلى الخارج سبب تكدس كميات هائلة من الزيت في السوق المحلي، مما جعل الأسعار تنخفض بشكل ملحوظ، وأصبحت تكلفة الإنتاج أكبر بكثير من عائد الدخل.
ويضيف سمور: ومع بداية كل عام وفي موسم الحصاد تحديداً يقوم جيش الاحتلال الإسرائيلي بشكل متعمد بإصدار العديد من القرارات العسكرية التي تحظر على سكان القرى المجاورة للمستوطنات قطف زيتونهم، تحت حجج ومبررات أمنية بحتة لمنع الاحتكاك بين المزارعين والمستوطنين، الذين يكثر انتشارهم في الحقول في مثل هذه الأيام.

 

 

التعليقات
اترك تعليقاً


آخر مقالات في القسم