ريشة وقلم

أوربيات في قلوب مصرية

أوربيات في قلوب مصرية



التأزم الفكري حالة كثيراً ما تصادف الأديب المفكر أو العالم المخترع قبل ميلاد فكرته، ولعلنا نذكر قصة ميلاد قانون النسبية الذي بمجرد أن شعر "ألبرت أينشتين" بتهيئة ذهنه لصياغة النظرية طالب زوجته بألا تزعجه وتفسد عليه خلوته قبل ثلاثة أيام، إلا أنها سألته وبإلحاح: (كيف تأكل؟) فرد مستهينا (ضعي الأكل عند الباب).
وفى لحظة إبداع عقلي غير مسبوقة فى حياة الألماني "يوهان جوتنبرج" ذهب ليبشر زوجته بأنه بصدد اختراع آلة ستغير مستقبل البشرية فإذا بها لا تعبأ بغير شيء واحد وهو كيف تتمكن من شراء الطعام لها ولأولادها أثناء انشغاله بالاختراع.
هكذا تكون مواقف الزوجة رد الفعل الأول والمباشر تجاه أفكار الزوج وإبداعاته -والعكس صحيح بالطبع-، فإما أن ترتقي إلى حيث يسمو زوجها عن عالم الأشياء، وإما أن تهبط بزوجها وأفكاره إلى حيث تسمرت قدماها، وفي الأغلب الأعم يذهب الزوج بعيداً بأفكاره في حالة من الانفصال الذهني والوجداني.
من هناك (قلب أوروبا) بدأت الفكرة التي لم تمكث طويلاً في موطنها، حيث غادرت إلينا في البلاد العربية، فكرة تم تغذيتها لتعيش وتبقى كأحد الأسلحة ضد المرأة. في تجاهل واضح لنساء دخلن التاريخ فقط لأنهن الملهمات الحقيقيات لأفكار وآراء لطالما استقاها الأدباء والشعراء، بل والفلاسفة من وحي عالمهن الخاص. 
فلماذا تم تجاهل النموذج الثاني لصالح الأول؟! إلى الحد الذي جعل الأديب المصري توفيق الحكيم (أكتوبر1898- يوليو1987) يعلن عداوته للمرأة، بل ويجاهر بقرار ألا تتجاوز تجربة زواجه ثلاثة أشهر! وإن كانت امتدت -ليس رغماً عنه- ثلاثين عاماً.
إلا أنه آثر خلالها أن تكون نوعاً من الزواج الانفصالي الذي يكفل له عالم الإبداع الخاص، وفقد معه -على مستوى آخر- متعة الشعور بمعاني الأسرة والكيان الاجتماعي.
وقد كان له ما أراد، حيث كانت زوجته من ذلك النوع الذي يعطي من عواطفه ووقته وجهده لتضمن بقاءها مع من تحب، فلم تسأله يوماً عن حقوقها، ولم ترهقه يوماً بمناقشات من تلك التي تسمى بين الأزواج بـ(الدردشة)، بل ولزمت الصمت عن كل ما لا يريد سماعه، وتركته لما يحب وكانت تثق أنه العمل ولا شيء آخر.
هكذا ارتضت المرأة المصرية العربية أن تعيش في ظل نجاح وتألق زوج أديب مكتفية بعاطفة ملتوية تنالها على استحياء من المانح وهي بالطبع كانت تستحق أكثر.
فإذا كان هذا هو حال الزوجة العربية المصرية، وذاك هو حال الأوروبية (زوجة أينشتاين ويوهان جونتبرج) فلماذا هرب أدباء مصريون كثيرون إلى الزوجة الأوروبية، حتى نستطيع القول إن الحوار الحضاري الأوروبي والشرقي –طوال تاريخه- لم يكن له من لقاء مودة وألفة نفسية وعقلية، مثلما كان لهذا اللقاء الذي كلل بزيجات أوروبيات مغمورات من أدباء مصريين مشهورين، بل يعدون رموزاً عربية خالدة قادت مسيرة التنوير، وأعلت من سلطة العقل، وكانت لها بصمتها الإبداعية المؤثرة؟!
لعل أشهر تلك الزيجات التي مثلت بحق لقاء حضارياً إنسانياً عقلياً عاطفياً كانت للدكتور طه حسين (نوفمبر1889-أكتوبر1973) والفرنسية سوزان، والتي تحقق خلالها نوع من الثنائية الخصبة بين الأنا والآخر، بين الشرق والغرب، بين التراث الشرقى (الأزهرى) والتراث الفرنسي (الاستربوني)، حتى إننا لم نلحظ في كتاباته أي ملمح لتناقض بين حضارتين، بل نجد نوعاً من التحام العربية الإسلامية مع الغربية الفرنسية، فلقد حاول أن ينمي خصوصيته العربية، لتكون في حالة قريبة من خصوصيته الفرنسية، وحيث نلاحظ في كتاباته تأثره الواضح بكل التراث العربي القديم بأرقى ما فيه من عبقريات مضافاً إليه ما في الثقافة الغربية من ملامح وصفات ترتبط بطبيعته الخاصة كعقل مقتدر وفكرة عاملة، ورأي مريد ناقد، وموقف فعال يسعى للإصلاح والتغيير ما استطاع.
أما د. حسين مؤنس (أغسطس1911- مارس1996)، فكثيراً ما كتب عن المرأة وكانت زوجته الإسبانية في إطار هذه الكتابات الأدبية هي مبعث إلهامه ووحي خواطره وصحة إبداعه، فما سافر إلا بها ومعها، وما بدأ عملاً فكرياً إلا وكان اهتمامها به يعادل اهتمامه أو يتجاوزه. وكان دائماً يذكر ضمن ما يذكر ذلك العمل الضخم الذي اعتبره ختاماً لمسيرته الفكرية وهو (أطلس تاريخ الإسلام) الذي أخذ وقتاً وجهداً ذهنياً لا طاقة لكثيرين به، قائلاً: "لم يكن من الممكن أو حتى من المستحيل إنجاز مثل هذا العمل ما لم يكن ورائي مثل هذه المرأة".
وقد نتساءل: كيف لمفكر إسلامي مستنير مثل د. حسين مؤنس أن تشاركه امرأة أوروبية أفكاره ومعتقداته؟! الحقيقة أنها أسلمت منذ البداية وظلت سعيدة بإسلامها وبزواجها من مفكر إسلامي مصرى عربي له منهجه ومنطقه وأسلوبه وطريقته وأفكاره. حيث استطاع أن يبث فيها كل قيم الإسلام وأصوله، حتى أصبحت لها هي نفسها هذه الروح الإسلامية الشفافة النقية. وذلك لأنها حين أسلمت آمنت إيماناً قوياً يعصمها من زلات الفكر المادي الذى عاشته في كل مفردات حياتها.
وعلى الرغم من تواضع الأديب المصري يحيى حقي (يناير1905-ديسمبر1992) ودبلوماسيته، إلا أن ارتباطه بـالفرنسية "جان جيهو" لم  يجعله يفقد مصريته، بل ظل متمسكاً في كل أعماله بكل مظاهر البيئة المصرية بمختلف صورها، حتى نستطيع القول أن  زواجه منها أتاح له أن يعيد رؤية الصور المصرية بداخله، دون أن يضيف إليها صوراً أجنبية.
وكان قد التقى ب"جان جيهو" في أحد معارض باريس فلفتت رسوماتها وتماثيلها اهتمامه ومن  خلال المناقشات تولد الود ونضج الحب على نار هادئة، حتى قرر حقي أن يخطو خطوته الجريئة بإعلان هذا الحب، مما تسبب في تركه للعمل الدبلوماسي الذى سيخالف قوانينه بزواجه من أجنبية. وبالطبع فإن مثل هذه التضحيات تصدر عن أولئك الذين يعلون قيمة الحب على أي قيم مادية. ومن جانبها كانت تردد دائماً أمنيتها في تعلم العربية حتى تقرأ كل أعماله.

ويبقى التساؤل: هل أنقذت المرأة الأوروبية الزواج المصري، أم أن الأديب المصري قد أدخل المرأة الأوروبية أفقاً جديداً بزواجه منها؟! 
قد نجد الإجابة في كلمات كل منهم، حيث عبر الدكتور طه حسين عن تجربة زواجه بقوله لابنته أمينة: "لقد حنا هذا الملاك على أبيك فبدّله من البؤس نعيماً ومن اليأس أملاً ومن الفقر غنى ومن الشقاء سعادة". 
وأيضاً ليس هناك أصدق من تلك الكلمات التي دونتها خلف الدكتور حسين مؤنس قبيل وفاته بـ48 ساعة وكان ينظر إلى زوجته نظرات تأمل وإعجاب وامتنان وتحقق وامتلاء روحي قائلاً: "امرأتي تقع من عقلي موقع القلب والجوهر والروح أيضاً، ودائماً ما كانت محور هذا العقل في أحيان كثيرة، وهى كامرأة أوروبية استطاعت أن تخلق لنفسها هذا الدور في حياتي، بل هذا الأثر البارز القائم على هذا الدور ذاته، ودائماً ما كانت تتأمل مسيرتي الفكرية بعقل واعٍ متخصص لدقائق هذه المسيرة وقيمتها وأهميتها داخل هذا البلد وخارجه".
وفى الاحتفال بيوم ميلاده الثمانين قالها يحيى حقي: "لولا أنني تعرفت على «جان جيهو» لما حققت تلك الخطوات الواسعة في دنيا الفن والثقافة".  
فهل سارت تجربة زيجات الأوروبيات من الأدباء المصريين على مسار النجاح والتحقق؟ الحقيقة لا.
فذلك النوع من الانسجام الحضاري والعاطفي الذي تحقق  في تجربة كل من طه حسين وحسين مؤنس ويحيى حقي لم يتحقق منه شيء للدكتور لويس عوض، الذي ما إن وقع نظره على "فرانس" في يوم العيد الوطني لفرنسا أمام جامعة السوربون حتى ظل يراقصها حتى الصباح، ثم توجها لعقد قرانهما في ذات اليوم. ولقد أكد لي الناقد والكاتب غالي شكري، صديقه الصدوق، أنها كانت امرأة عادية بكل ما تحمله الكلمة، ولم يعرف عنها أي اهتمامات ثقافية ذات شأن، وإنما ظل اهتمامها الأوحد بالحيوانات، مما كان يجعل الدكتور لويس يهرب إلى شقة منفردة يقرأ ويكتب فيها. 
وبالتالي لا يمكن اعتبار مواقف وهجمات لويس عوض المتعددة على اللغة العربية وآدابها ومواقفه من العرب والعروبة واللغة والتراث العربي كان وراءها زوجته التي تمثل الحضارة الأوروبية المعادية لهذه اللغة، حيث ظلت "فرانس" بمنأى عن معاركه، كما كانت بمنأى عن عواطفه وهواجسه الفكرية. 
وكذلك لا نستطيع القول أن زوجة الأديب توفيق الحكيم قد مثلت نموذجاً للزوجة المصرية عند زواجها بأديب أو مفكر حيث حقق المفكر المصري الدكتور زكي نجيب محمود (فبراير 1905-سبتمبر1993) المجد الإبداعي والفكري مع زوجة مصرية هي  د. منيرة حلمي، وفي لقاء معها قالت: "ما شعرت عمري أنني أعيش مع سلطة تملي علي أي شيء، بل إنني لم أكن أتصور أنه يوجد رجل يحمل مثل هذه الأخلاق في تعامله مع المرأة، ولهذا أؤكد أن هذه المكانة التي أضيفت إلى مكانتي كأستاذة جامعية وباحثة بزواجي من الدكتور زكي ظلت موضع فخر لي ولم تكن تضايقني على الإطلاق، فأنا معروفة على مستوى المتخصصين والزملاء بصفتي وبين العامة على أنني زوجة زكي نجيب محمود.
ولهذا لم أشعر إطلاقاً بأنني جندي مجهول في حياته، بل يا ليتني كنت أستطيع فهو كان يستحق آلاف الجنود لخدمة مشروعه الثقافي والإنساني.
وهكذا... يبقى الحب دائماً هو الغذاء الأوحد لذلك اللقاء الروحي والعاطفي الإنساني، بل والمبرر الوحيد لما قد  يقبله زوج دون كل الأزواج أو ترفضه زوجة دون كل الزوجات. 
إنها كيمياء الحب والزواج. 

التعليقات
اترك تعليقاً


آخر مقالات في القسم